ذكرنا بالأمس أن طفيليا همَّ الخليفة المأمون بعقابه فاستوهبه إبرهيم بن المهدي عم الخليفة وكان من قبل قد خرج على ابن أخيه نحو ثلاث سنوات فلما ظفر به المأمون سامحه، وقص على الخليفة قصة تطفله في تلك السنوات وكان إبرهيم ذا صوت جميل فقال:
خرجت يوما متنكّرا أنظر إلى سكك بغداد. وانتهى بي المسير لموضع شممْتُ منه رائحة أطعمة، فشوّقني ذلك إلى الطعام، ووقفتُ يا أمير المؤمنين لا أقدر على المضي، ثم حانت مني التفاتة إلى أعلى وإذا شباك ومن داخله كف ومعصم ما رأيت في حياتي أجمل منهما.
حتى أنساني منظرهما رائحة الطعام، فجعلت أحتال للوصول لهذا البيت فنظرت فوجدت محل حائك بقرب البيت، فتوجهت إليه وسألته عن الدار فأخبرني أنها لأحد كبار التجار وأخبرني باسمه، وأنّ لديه دعوة وأنه لا يجالس إلا تجارا مثله. وإذ نحن نتكلم أقبل رجلان نبيلان راكبان، فقال لي الحائك إنهما نديماه.
فسألته عن أسمائهما وكُنْيَتهما فأخبرني، فشكرته وحركتُ دابتي فأدركتهما فناديتهما بكنية كل منهما وقلت لهما: جُعِلْتُ فداءكما، لقد استبطأكما فلان وكنتُ سأذهب إليكما ! قال وسايرتُهما حتى وصلنا الدار فدخلتُ ودخلا خلفي، فلما رآني صاحب الدار معهما وثق أني معهما فرحب بي وأجلسني في أفضل موضع ظانّا أني ضيفهما. ثم جيء بالمائدة وعليها أشهى أنواع الأطعمة.
قال إبرهيم: فقلتُ في نفسي، أما الأطعمة فقد نلت منها، بقي الكف والمعصم. ثم نُقِلْنا إلى مجلس المنادمة وجعل صاحب المنزل يتلطف بي وصاحباي يفعلان بي ذلك لظنهما أنه يعرفني من قبل. ثم جيء بالفاكهة، وأقبلتْ جارية كأنها غصن بان، وخلفها مَن يحمل لها العود. فأخذتْه وجسَّتْه أحسن مَجَسّ، ثم عزفتْ عزفا طيبا وبدأت الغناء فقالت:
تَوَهَّمَها طرفي فَأَصبحَ خَدُّهُا
وَفيهِ مَكانَ الوَهمِ مِن نَظَري أُثرُ
وَصافَحَها قَلبي فَآلَمَ كَفَّهُ
فَمِن غَمز قَلبي في أَنامِلِها عَقرُ
فهيَّجتْ، بلابل قلبي بحسن صوتها ثم غنت واستزادها الحاضرون، فحسدتها فقلت لها: بقيَ عليك يا جارية شيء، فقاطعتني وألقتْ بالعود حتى انكسر، والتفتت لصاحب الدار وقالت: منذ متى كنتم تحضرون البغضاء في مجالسكم ؟ قال إبرهيم فندمتُ على ما بدَرَ مني ورأيتُ القوم وكأنهم اتهموني بإفساد المجلس عليهم فبادرتُهم وقلت: هل لديكم عود آخر ؟ فأحضروا عودا آخر. فأصلحت ما ينبغي إصلاحه من أوتاره، ثم اندفعت أغني:
ما للمنازل لا تجيب حزينا
أَصَمِمْنَ أم قدِم البِلَى فبلينا
راحوا العشيَّةّ رَوْحَةً مذكورةً
إنْ مُتنَ مُتْنا أو حييْنَ حَيِينا
فوثبتْ الجارية فقبلت يدي وهي تقول: معذرة لك يا سيدي، والله ما علمتُ مكانَك، ولا استمعت مثل هذه الصنعة من أحد، ثم زاد القوم في إكرامي وطربوا كثيرا، فلما رأيت ذلك غنيتهم شعرا آخر فصاحت الجارية تقول: هذا والله هو الغناء لا ما نحن فيه. أما صاحب الدار فقد قال لي: يا سيدي لقد ضاع أكثر من نصف عمري هدرا إذ لم أعرفك من قبل. فبالله من أنت؟
قال إبراهيم فجعلت أتهرب حتى استحلفني فأسفرت له عن نفسي فوثب الرجل قائما وقال: والله لقد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك، ولقد أسدى الزمان إلي يدا وكيف لي بشكرها ؟ ومتى طمعتُ أن تزورني الخلافة، فأقسمت عليه أن يجلس، فسألني عن سبب الزيارة. فأجبته ولم أُخْفِ شيئا، ثم قلت له:
فأما الطعام فقد نلت منه، فقال والكف والمعصم إن شاء الله ثم نادى جارية وأمرني أن أنظر إليها وهكذا صنع بجميع جواريه فلم أجد صاحبة تينك الكف والمعصم. فقال: يا سيدي لم يبقَ لديّ إلا أمي وأختي. وسوف أدعوهما فعجبت لأريحيته.
وقلت إن كان ولا بد فالأخت، فدعا بها فإذا هي صاحبة الكف والمعصم فأخبرته، فأمر باستدعاء عشرة مشايخ سماهم لخدمه، وأخرج بَدْرَتين فيهما عشرون ألف درهم، فلما حضروا قال: هذا سيدي إبراهيم بن المهدي جاء يخطب أختي فلانة وأشهدكم أني قد زوجتها له وأمهرتُها عنه عشرة آلاف درهم. قال إبراهيم قد قبلت ورضيت، ثم دفع بدرة لأخته ووزع الثانية على المشايخ. قال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، فتزوجتها وهذا الغلام الذي تراه معي هو ولدي منها.