ما أن يهل هلال شهر شعبان حتى يبدأ البحرينيون في الاستعداد لاستقبال شهر رمضان المبارك، شهر الصيام لدرجة أن يتحد الشهران من حيث الصورة الاحتفالية، حيث تدب في الأسواق حركة بيع وشراء غير عادية لجلب مستلزمات رمضان من طعام وحلويات ومشتهيات.

ولقد كان من المألوف في شهر شعبان أن يرى الواحد خلال تطوافه في أزقة المنامة منظر «دقاقي الحب» وهم منهمكون في ضرب الحب بالمدق في «مناحير» كبيرة من الخشب لإزالة القشرة عنه حتى يكون صالحاً لعمل أكلة «الهريس» الذي لا تخلو منه وجبة من وجبات شهر رمضان في البحرين بشكل خاص أو الخليج بشكل عام.

ويحدث أحياناً أن يقوم دقاقو الحب بترديد بعض الأغنيات ذات الإيقاع الأخاذ خلال ممارستهم عملهم، ومن هذه الأغاني الأغنية التالية:

أجمل صبري على دار الحبيب إبراك ومن مدامع عيوني ترسن إبراك

يا ربشة العين يعيني بالدجى تبراك والله لا عصى جميع الناس وأطيعك

وأحارب الكون كوني من أصابيعك والناس ما هي سوى وأنظر أصابيعك وأن ردتني في لك يا حلة الأبراك وقد جرت العادة لدى معظم الناس قبل حلول شهر رمضان أن يأخذوا دواء «العشرج» أو «السنامكي»، وذلك من أجل تنظيف المعدة حتى تكون صالحة وعلى أهبة الاستعداد لاستقبال وجبات رمضان الدسمة والثقيلة.

كما كان الأطفال يرددون الأهازيج فرحين بمقدم شهر رمضان ومن هذه الأهازيج الأهزوجة التي مطلعها:

حياك الله يا رمضان

يا بو الكرع والبيذجان

وفي الليلة التي يتوقع الناس فيها ظهور هلال رمضان يخرجون إلى الشواطئ والأماكن المرتفعة للتحقق من رؤية الهلال، وتسمى هذه الليلة بليلة (الاستهلال)، ولقد كان القضاة من رجال الدين ومازالوا يجلسون في المساجد وفي المحاكم لاستقبال من يرى الهلال والتحقق من صدق هذه الرؤية. وما أن تثبت رؤية الهلال حتى تطلق (الواردة) أو (الطوب) (مدفع رمضان) عدة طلقات.

ويمتاز شهر رمضان عن غيره بأنه شهر التقرب إلى الله، فقد أنزل القرآن في هذا الشهر وجعل الله ليلة القدر فيه، كما يتميز بأكلاته الخاصة المنوعة ومن أشهر هذه الأصناف «الهريس» الذي يكاد يكون اسمه مرادفاً لشهر رمضان، و«الثريد»، ومن الحلويات «المحلبية» و«البلاليط» المضاف إليهما الهيل والزعفران و«الخبيص» و«اللقيمات» (لقمة القاضي) وحلوى «الساقو» الهندية وغيرها من الحلويات.

وليالي شهر رمضان من أجمل ليالي السنة حيث تضاء جميع الشوارع والزرانيق (الزقاق)، ويخرج الأولاد إليها للعب، بينما يخرج الرجال إلى المساجد للصلاة ولسماع القرآن، والنساء إلى بيوت الجيران للتسلية وتمضية الوقت.

ومن أجمل الألعاب الرمضانية التي اندثرت في الوقت الحاضر هي لعبة الحرب أو (الغزوة) التي يتخللها أحياناً بعض العنف، وتكون هذه اللعبة بأن يتجمع الأقوياء الأشداء من أولاد «الفريج» ويتسلح كل منهم بالعضي أو «المعجال» وبعضهم يتسلح بذنب سمكة «اللخمة»، ويقفون على حدود «الفريج» الذي يريدون مهاجمته، بينما يكون أولاد «الفريج» الآخر قد عرفوا مسبقاً مقدم هؤلاء، فيقوم رئيس «الفريج» المعتدى عليه ويردد بحماس الأهازيج التي تثير في جماعته الشجاعة لرد اعتداء «الفريج» الآخر، ومن هذه الأهازيج الكلمات التالية:

دكوا دكوا عمارية واللي يجيكم قصوا راسه حطوا دمه في القرطاسية دكوا دكوا عمارية

وهكذا .. فيردد عليهم المعتدي:

هذا إحنا جينا الجميع تعالوا

سمعوا حجينا الجميع تعالوا

كان فيكم شدة الجميع تعالوا

إنهد فيكم هده الجميع تعالوا

يا أولاد اللوهه الجميع تعالوا

وهكذا .. حتى يشتبك الفريقان وقد تسيل الدماء غزيرة أحياناً من أجساد كلا الطرفين، ومما لا شك فيه أن هذه العادة الرمضانية هي من بقايا عادات الفتوة والفروسية لدى العرب.

أما الرجال فيذهبون لسماع القرآن في المساجد أو في بيوت الأثرياء، ولقد كان الأغنياء يتباهون بعدد «الختمات» التي أتموها خلال شهر رمضان وهناك قراء متفرغون لقراءة القرآن في شهر رمضان مقابل أجر معلوم.

وبعد الانتهاء من قراءة القرآن يقف خطيب المسجد ويلقي على مسامع الحاضرين الخطب والمواعظ الدينية، ثم يصلون صلاة «التراويح» ويقوم الأثرياء بتوزيع الأطعمة على الفقراء، وفي شهر رمضان تكثر جلسات «الغبقات»، حيث يقضي الحاضرون جزءاً من الليل في الحديث والسمر حتى ساعة متأخرة من الليل، وتقدم في جلسات الغبقات أصنافاً كثيرة من الأكل والحلويات، وفي الجزء الأخير من الليل يطوف «أبوطبيلة» .

وهو الشخص الذي يوقظ النيام للسحور، وسمي أبوطبيلة لأنه يحمل معه طبلاً ينقر عليه بعصاه كلما مر على بيت من البيوت ليحث الناس على القيام من النوم، وبين فترة وأخرى يردد الأدعية الدينية التي تناسب شهر رمضان، و هذا لا يمنع بعض المسحرين من غناء أهازيج خاصة يقومون بتركيبها ومن أمثلة هذه الأهازيح مثلاً:

سباتوه جارك الله عندك عجوز مكسره سباتوه جارك الله تمشي وتحلب بقره ومن أهم أحداث شهر رمضان ليلة «القرقاعون» وهي الليلة التي تصادف ليلة الخامس عشر من شهر رمضان، وفي هذه الليلة يخرج الأطفال في شكل جماعات وكل طفل يحمل معه خريطة من القماش ويجوبون الأزقة والسكك لجمع قرقاعون رمضان من النقود والمكسرات «كالنقل» و«النخج» و«البيذان» و«الجوز» و«الزلابية» (المشبك)، وعند كل باب منزل يقف الأولاد يرددون الأهازيج التالية:

قرقاعون .. عادت عليكم .. ويا الصيام ..والليل أقصير .. في شهر رمضان .. يا الله ويا الله يا الله .. عطونا من مال الله .. سلم لكم عبدالله .. وبيت مكة يوديكم .. الله يخلي ولدكم .. ولدكم يا الحباب .. وسيفه يرقع الباب .. قرقاعون .. سلم ولدهم يا الله .. ويخليه لأمه يا الله .. ويجيب لها المكدة .. ويحطها في كم أمه .. يا شفيع الأمة .. عن المطر وسلاحه .. قرقاعون .. وهكذا .. أما البيوت التي تقفل أبوابها حتى لا يزعجها الأطفال فهي تثير خنقهم وسخطهم فيسمعونهم كلاماً لا يسرهم مثل:

أعطونا تخج وكنار حتى تروحون النار ولقد كان الكل أيام زمان يصوم شهر رمضان حتى الأطفال، ولقد كان الأطفال يتفاخرون فيما بينهم بصيامهم بالرغم من أنهم لم يصلوا بعد السن التي يتوجب فيها الصيام، وحتى يبرهن الطفل بأنه صائم بالفعل، يقوم بإخراج لسانه لسائر زملائه الأطفال ليتمعنوا في لسانه، فإن كان أبيض أو مشوباً ببياض فهو صائم، أما إذا كان أحمر فإن هذه الحمرة دليل على أنه فاطر.

ولقد كان الأطفال يرددون على مسامع بعضهم البعض كلاماً منغماً عن الصائم الذي لا يصلي أو عن المصلي الذي لا يصوم فيقولون مثلاً:

من صام ولا صلى غذاه في النار يتقلى من صلى ولا صام غذاه في النار زقام وفي الليالي الثلاث الأخيرة من شهر رمضان يبدأ «أبوطبيلة» في توديع شهر رمضان فيردد، وكذلك الجمع الذي يرافقه وهم في طوافهم في الأزقة والسكك هذه الكلمات المنغمة:

يالوداع يالوداع يا رمضان

عليك السلام يا شهر رمضان

وفي الليلة التي يتوقع فيها الناس رؤية هلال شوال يخرجون إلى الأماكن المرتفعة لرؤية الهلال، ومتى ثبتت الرؤية تطلق المدافع الواردة عدة طلقات معلنة انتهاء شهر رمضان وقدوم عيد الفطر المبارك، وينطلق على ارثها الأطفال وهم كالمجانين يرددون فرحين:

باجر العيد بنذبح بقرة

من عند أبونا هي مشتره

وأنادي عبدوه كبير الخنفرة

والعادة ان تعطل المؤسسات الحكومية ثلاث أيام بمناسبة عيد الفطر، وفي يوم العيد يلبس كل الناس صغارا وكبارا الثياب الجديدة، ويزور بعضهم بعض لتقديم التبريكات بصيام شهر رمضان.

ويقدم الكبار العيديات كالهدايا والنقود للأطفال، وفي أيام العيد الثلاثة تقام الزينات و«العرضات»، كما يذهب إلى الساحة الواقعة خلف المسجد أو الجامع، حيث تنصب هناك المارجيح ويلعبون لعبة «لقوا لقوا» «البيزة بأربع»، أو يأكلون الحلويات كـ «السمسمة» و«القبيط».

المنامة ـ غازي الغريري: