تعددت وتنوعت صيغ وأساليب وطرائق استخدام الحرف العربي في المنجز التشكيلي العربي والإسلامي المعاصر. فبعض الفنانين استخدمه كجزء لا يتجزأ من نسيج ومعمار اللوحة، أو كعنصر أساسي من عناصرها.

حيث يقوم الحرف بتغطية كامل مساحتها، متحاوراً ومتآلفاً، مع التقطيعات الهندسيّة الصلبة، أو النباتيّة اللينة، وفق دراسة عقليّة وحسيّة فائقة، ما يجعل من سطح اللوحة، ميداناً واسعاً ورحباً، لعملية بحث مفتوحة على الإبداع والابتكار والخلق. هنا نقف على توجهين متباينين: الأول لا يولي اهتماماً كبيراً لمدلول ومعنى الحرف في الكلمة أو الجملة المستخدمة في إشغال سطح اللوحة، أو جسم الكتلة الفراغيّة، وإنما للقيمة التشكيليّة المجردة التي أخذتها. والثاني يحاول التوفيق بين تشكيل الكلمة ومعناها، بحيث ينعكس مدلول الكلمة في الشكل الذي أخذته.

من جانب آخر، وجد بعض الفنانين والمتذوقين في الخط العربي وإيقاعاته الحركيّة موسيقى عذبة، وذهب البعض منهم إلى اعتبار بعض اللوحات الخطيّة الكلاسيكيّة المنفذة من قبل بعض الخطاطين الموهوبين المصنفين ضمن المعلمين الكبار في كار الخط، ما يشبه السمفونيّة الموسيقيّة الكلاسيكيّة، حيث الصعود والنزول، المد والاستدارة، الرفع والثخانة، في الحروف وتشكيلاتها، تشبه إلى حد بعيد، النغمة وهي تأخذ بيد النغمة، مشكلة بذلك (السمفونيّة) البصريّة، في حال اللوحة الخطيّة، و(السمفونية) السمعيّة في الموسيقى.

ويغمز البعض من قناة الحروفيين (وهم كثرة) الذين اكتفوا بأخذ مقاطع من الخط العربي، معتمدين على المفهوم الغربي في بناء اللوحة الفنيّة المعاصرة، وهو أمر يؤسف له، ويسيء إلى القيم الجمالية والتراثية والتعبيريّة، للخط العربي.

في مقابل هؤلاء، هناك من يرى أن التيار التراثي هو الطاغي على اغلب الحركات التشكيلية الطليعيّة العربيّة، إذ التبس على بعض التجارب الحروفيّة مفهوم الحداثة التراثيّة، وبعضها إبداعي ولا شك، لكن المرجح برأي هؤلاء، أن الموجة التراثيّة بشكل عام، تعرضت لعوامل السوق، ما يجعلنا نتحدث عن نوع من (الافتعال التراثي) الذي لا يختلف في السوء عن الاتجاه الآخر المعتمد على المفهوم الغربي.

من أجل هذا، يمكن النظر إلى الحركة التشكيليّة العربيّة، عبر تجارب ومحترفات قليلة، أعطت لوحة مغايرة للوحة الغرب، من حيث الرؤية كمسار صحيح لتطور هذه التجارب، في المحترفات القليلة، وجدية علاقتها بالخصوصيات الإنسانيّة والحضاريّة.

في الوقت نفسه، لا بد من الاعتراف بوجود اشتباك حضاري وثقافي في وقتنا الحالي، ما يحتم على الفنان العربي والإسلامي المعاصر، وعي هذه المسألة، وتالياً التعرف على أدواته التعبيريّة، وموضوعات أعماله وإبداعه، عبر رؤية عميقة لعصره وتحولاته الكثيرة والعميقة، خصوصاً بعد أن ظهرت نزعة فلكلوريّة يعامل الغرب من خلالها، الخط العربي من حيث هو منجز فني. يقابل ذلك نزعة أخرى ذات سمة تقديسيّة للخط العربي، لم تخرج به من دائرة التكرار الممل والبليد.

على هذا الأساس، يرى البعض في هذه الأعمال، التجسيد الحروفي الباحث عن العاقبة التي يؤول إليها الكلام. وعندما يُجرد أصحاب هذه الأعمال في لوحاتهم، يأتي تجريدهم فوق التجريد الذي يحتويه الحرف بالأساس، خاصة عندما يجهدون ليخرج هذا الحرف بصورة من صور الحكمة، بعيداً عن مدلولات النظرة العامة، وليبقى زخم الحرف في متناول الرائي الآخر الذي يتشارك مع اللوحة الحروفيّة، عبر فضاء المعنى أكثر منه عبر فضاء الشكل.

هنا وهناك، ثمة مآخذ يسوقها المختصون والباحثون، مطالبين المشتعلين في ميدان الحروفيّة، التوفيق المدروس والمقنع، بين الشكل والمعنى، لكن دون الوقوع في مطب التجريد الغربي المتطرف والعابث في كثيرٍ من الأحيان، وبين النزعة التراثيّة التقديسيّة التي تفرز أنماطاً مستنسخة ومكرورة، خالية من الإبداع والابتكار والتجديد، وعملية التوفيق هذه، ليست سهلة، وتتطلب الكثير من البحث والتدقيق والموهبة وصدق التعامل، مع هذا الإرث العربي الإسلامي الذي شكلّ وعاء حضارة الأمة وناقلها، وما زال يمارس هذا الدور، بهذا الشكل أو ذاك، حتى يومنا هذا.

د. محمود شاهين