التصور الإسلامي للإنسان والقيم يسمو بالنفس عن الشهوات والأغراض الدنيوية لتحلق الروح في فضاء من السمو الأخلاقي يجعلنا نتوازن بين المادة والروح، نسبح بحمده ونستغفره، لقد كلف الله الإنسان بإعمار الأرض وصنع الحضارة مع الالتزام بالقيم التي هي وليدة الإنسان.

يعد د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أستاذ الفلسفة بجامعة الأزهر والمنشغل بهموم الأمة الإسلامية، والذي يتصف بسلاسة الأسلوب يأخذ القارئ في رحلة روحانية محاطة بل معبأة بالقيم الأخلاقية الإسلامية التي يتسم بها الدين الإسلامي، وحين تمتزج الفلسفة بالكتاب والسنة في ظل السمو الأخلاقي،

فعندما تقرأ تلاحظ أعذب الكلمات المقترنة بدلائل قرآنية وأحاديث شريفة مستطرداً بالعلماء العرب أمثال: الغزالي، ابن رشد.. وغيرهم.. كما أن هناك مساحات من الاستشهادات لبعض الشعراء أمثال: أحمد شوقي..

وهذا ينم عن ثقافة الكاتب الذي يبدو في كتابته ذات المغزى والقيمة ملماً بالعلوم الدينية والدنيوية، كما تتناول مؤلفاته كل ما يتعلق بالإسلام وقضاياه وصلته بالفكر الغربى، كذلك خاض في المنهج الفلسفى كثيراً وله مؤلفاته مثل:

«المنهج الفلسفى بين الغزالي، ديكارت» «مقدمة في علم الأخلاق»، «مدخل إلى الفكر الفلسفي» لم تقتصر كتاباته ومؤلفاته وبحوثه ورسائله الصغيرة على العربية بل ترجمت بلغات أجنبية، مثل: الألمانية، الإنجليزية، الفرنسية، الروسية، الإندونيسية، الأردية، التركية.. كما أن له مساهمات في أعمال علمية أخرى.. إن كتاب «الإنسان والقيم في التصور الإسلامي» هو نقطة ضوء نسبح خلالها ببراثن الفكر، فهذا الكتاب يتناول مجموعة من الموضوعات التي تنشق كقسمين، قسم مرتبط بالإنسان والقسم الثاني بالقيم.

القسم الأول(الإنسان) كيفية خلقه وتكريمه، فهو المحك الأساسي في هذا الكون، بل هو محور الوجود كله وسيد في هذا الكون وهذا الوجود، كل شيء قد سخره الله له الديانات كلها جاءت من أجله والوحي السماوي كله قد اتجه بالخطاب إليه والقرآن كله يدور حوله، وقد سخر الله عز وجل نوعين من الكائنات:

أحدهما مسخر لا حيلة له من أمر نفسه ولا حرية له ولا اختيار؛ وهذا أمر ينطبق على جميع الكائنات الأرضية ما عدا الإنسان، فكل الكائنات مسخرة بأمر ربها تسبح بحمده. قال تعالى: (وَسَخَرَ لَكُمْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرض جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَرُون) الجاثية: .13.

أما النوع الآخر من المخلوقات وهو الإنسان فإنه مخلوق فريد جعله الله مكلفاً أى صاحب مسؤولية؛ ومن هنا جعله الله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير وكرمه وفضله على جميع الكائنات، وقد احترم عقله وحريته وإرادته فلم يقتصر الإنسان على العبادة.

قال تعالى: (وما خَلَقتُ الْجِنَ والإِنْسَ إِلاَ ليَعْبدُونَ) الذاريات: 56، ولكن العبادة المقصودة هنا لها معنى أعمَّ وأشمل بل إنها عبادة تفترض معرفة العابد لمعبوده فهي قائمة على الوعي والإدراك بل هي قائمة على فكرة أن الإنسان مسير أم مخير؟ واختلاف علماء الدين، والفلاسفة عند «جهم بن صفوان» والأشاعرة والمعتزلة حول هذه القضية الشائكة بجبرية الإنسان، أو باختياره وإرادته.

ومما يبدو أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له حق الرفض حتى في مواجهة الأمر الإلهي، فعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى يقدر للإنسان من قديم الأزل ما هو مكتوب له إلا أنه قد أسند للإنسان المشيئة بنفسه فهو الذي يستطيع أن يقرر مصيره، فنجد قوله تعالى:

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد: 11. إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم ولقد تدرجت مراحل خلقه على المستوى المادي ليس فقط وإنما أيضاً التكوين الإلهي كان مناط التكريم بالنسبة لخلقه، قال تعالى: (فَإِذَا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الحجر: 29.

فهذه النفخة الروحية الإلهية هي مناط التكريم فقد أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم تكريماً له، بينما رفض إبليس أن يسجد لآدم بوصفه مخلوقاً من مادة فقط، ولكن التكوين الإنساني يتمثل في عنصري المادة والروح، لذلك تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الإنسان في إقامة التوازن العادل بين مطالب الجسم، ومطالب الروح حتى يصل ويسمو إلى ما اقتضته المشيئة الإلهية من أوامر ونواه وأخلاق يلتزم بها، ويتمثل ذلك من خلال العقل وقد ميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته ويعتبر العقل أثراً من آثار النفخة الإلهية الروحية، فالإنسان خليفة الله في الأرض، مطالب بتحكيم عقله في كل الأمور..

وقد كانت دعوة القرآن الكريم لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل، لذلك نجد «ابن رشد» في رؤيته أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبره واجباً شرعياً، وذلك مأخوذ من قوله تعالى: (إِنَّ السَّمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) الإسراء: 36.

كما سيسأل عن الإدراك الحسي وعلى استخدامه له، ويقول الشيخ «محمد الغزالي» تم للإنسان بمقتضى دينه أمران عظيمان طالما حُرم منهما وهما: استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر، فالإنسان مكلف باعتباره كائناً ينفرد بقدرات وملكات مع ما حددته المشيئة الإلهية لهذا الكون من قوانين. الإرادة الإنسانية والمسؤولية إن مسألة حرية الإرادة، كان موضوع جدال آثار الفلاسفة ورجال الدين باعتبار الحرية الواعية هي الأساس الذي ترتكز عليه الأخلاق.

فلو لم تكن هناك حرية لما أطلقنا على الإنسان مسؤولية ولما أطلقنا أن هناك فعلاً خلقياً وفعلاً آخر نصفه بفعل غير خلقي. لقد خلق الله سبحانه وتعالى الكائنات إما مسخرة أو مكلفة، كذلك قضية الثواب والعقاب كما أن الله يعلم بما سيقوم به الفرد من خير وشر، فهو علم أزلي لكن وقوع الفعل نفسه أو عدم وقوعه فهو من صميم حرية الشخص نفسه، ولا نستطيع القول بجبرية الإنسان، إذن والداعي للتربية والتهذيب والأخلاق.

كما أن الدين الإسلامي اتسم بالتفاؤل والأمل وغرس في نفوسنا الثقة في القدرة على التغيير إلى الأفضل، فهناك مسؤولية كبيرة على الإرادة الإنسانية وهذه المسؤولية عندما تتحلى بالإيمان والدين الإسلامي تستطيع أن تلزم نفسها فهو شعور فطرى للإنسان يجعله مسؤول عن نفسه وعقله وعلمه وماله وأوقات حياته بصفة عامة، والمسؤولية الأخرى على عاتق الإنسان نحو الآخرين ونحو العالم باعتبار الإنسان كائناً اجتماعياً في حاجة إلى المجتمع الإنساني لتطوير شخصيته.

فقد كُلف الإنسان بإعمار الأرض وصنع الحضارة كما أن سيطرة الإنسان على قوى الطبيعة لا تكفى وحدها لبناء الحضارة، لذلك لابد من سيطرة الإنسان على نوازعه الداخلية وأهوائه وشهواته حتى تكون منضبطة بالقيم الأخلاقية وبذلك تتم عمارة الأرض كما أرادها الله، فالحضارة بالمعنى الصحيح تعنى التقدم المادي والروحي للإنسان.

وبهذا لا تنفصل عن القيم الإنسانية بمعناها الشامل، فمفهوم الحضارة مرتبط بمفهوم التقدم وإن هدف أي حضارة حقيقية هو الإنسان، فالإنسان هو صانع الحضارة وهو في الوقت نفسه هدف الحضارة وإن الحضارة تنتهي عندما تفقد في مضمونها معنى الإنسان، فإن فقدنا هذا المعنى تبدأ الأخلاق الزائفة ومنها الحضارة الزائفة.

قال تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) الذاريات: 49 لقد جعل الله سبحانه وتعالى القاعدة الزوجية في الخلق تشمل الكائنات الحية وغير الحية، ولكنها في الكائنات الحية تحقق إرادة الله في استمرار الوجود وتكاثره إلى ما شاء الله، وعندما خلق الله آدم خلق له حواء لتكون زوجاً له تؤنس وحدته وربط بينهما برباط من المودة والرحمة.

ولقد كرم الله المرأة وجعلها شقاً للرجل، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الرجل والمرأة «النساء شقائق الرجال لهن مثل الذي عليهم بالمعروف» رواه الترمذي في سننه. درجات الكمال إن الإنسان لديه رغبات يشبعها الجسم والعقل، ولكن ليس قاصراً على ذلك، بل هناك مدركات حسية ومشاعر يتغذى بها الجسم والعقل ألا وهو القلب، فعاطفة الحب هي من أسمى العلاقات.

وهى من خصائصها الإنسان المدرك؛ فالحب عند الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» أنواع، فكل حاسة لها إدراك لبعض المدركات فلذة العين في إدراك المبصرات الجميلة والحسنة، ولذة الأذن في النغمات الطيبة، ولذة الشم في الروائح الطيبة.. وهكذا ويبين الغزالى فيه أن الإنسان يحب ذاته وكمالها، ودوامها ثم ماله، وولده وعشيرته، وأصدقاءه.

ولكن هناك أموراً يحبها الإنسان لذاتها، وهذا بذلك قد وصل إلى الحب الحقيقي بأن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه وراء ذاته، بل تكون ذاته حظه، مثل: الجمال والحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله جميل يحب الجمال«، ونحن ننظر ونتأمل الكون ومخلوقاته لا نجد من يستحق هذه المحبة إلا سواه سبحانه عز وجل، وهنا يؤكد القرآن أن المؤمنين وحدهم هم الأجدر بحب الله، قال تعالى:

(والذين آمنوا أشد حباً لله) البقرة: 165، وتندرج كلمة الحب إلى أنواع وأشكال ليست مرفوضة، ولكنها لا تكتمل إلا إذا انتهت إلى خالق الوجود ومقلب القلوب، والذي يتمثل في حب الله، ويقول القرآن مخاطباً الرسول الكريم، فقد قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُم تُحِبُونَ الله فَاْتَبِعُونِي يُحْبِبِكُمْ الله) آل عمران: 31.

لا تنتزع القيم من التكوين الإلهي للإنسان فهي قديمة قدم الإنسان ذاته ولكنها لم تتبلور وتنضج في الأذهان وتتضح معالمها على مدى التاريخ إلا بالتدريج من خلال الخبرات والتجارب الحياتية ودرجة الوعي الفردي والاجتماعي، ولقد دعت الأديان إلى القيم والتمسك بها والالتزام بالأخلاق الفاضلة، وإن الطبيعة الإنسانية أصل فطرتها طبيعية خيَّرة، وليست شريرة، فالأصل هو الخير والشر طارئ عليه، كما أن الإنسان وليد للقيم التي غرس ونشأ منها. كلما ازداد إحساسنا بالقيم والوعي ازداد فهمنا لمعنى الحضارة والتقدم، فالقيم في كل مجتمع معايير للسلوك الإنساني.