حرم الله الربا بقوله (وأحل الله البيع وحرم الربا) لأن البيع عمل وحركة وأبواب رزق للناس ونفع لجمهور الأمة، أما الربا فهو تبلد وكسل وكسب بغير عمل ومال بلا جهد. قال اللورد (كنز) وهو من ألمع الاقتصاديين المعاصرين:

ان ارتفاع سعر الفائدة يعوق الإنتاج لأنه يغري صاحب المال بالادخار للحصول على عائد مضمون دون تعريض أمواله للمخاطرة في حالة الاستثمار في المشروعات الصناعية أو التجارية. ان الربا يحد من فرص العمل، وبالتالي يزيد الحاجة والبطالة وما يؤدي الى زيادة الفقر والبطالة يحرمه الإسلام ويمنعه.

ولو أن نظام الربا ترك وشأنه حتى يتمكن من السيطرة على العالم لانتهى بالبشرية إلى أسوأ مصير من الاستعباد واستغلال الإنسان، ويتحكم المرابون في الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم مما يؤدي إلى الأزمات الدولية.

يؤيد هذا ما قرره أحد كبار الممولين اليهود عام 1970 بأن اليهود ـ وهم الأغلبية الساحقة لأصحاب بيوت المال في العالم ـ قد أحرزوا 70% من أموال العالم. قال شاخت المدير السابق لبنك الرايخ الألماني:

انه بعملية رياضية غير متناهية يتضح ان جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين، ذلك ان الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة.

ومن ثم فإن المال كله في النهاية لابد ان يصير إلى الذي يربح دائماً. ثم ان جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين، لان أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدون في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية.

ونظام الربا نظام غير أخلاقي لأنه يبث الحقد بين طبقات الأمة، فترى التاجر، أو الصانع يستعين بكل ما يستطيعه من طرق مشروعة وغير مشروعة ليكسب أكثر سعر الفائدة، وهذا الحقد والصراع ليس قاصراً على الإفراد، بل اننا نراه في المجتمع الدولي، فعندما لجأت انجلترا بعد الحرب العالمية الثانية إلى حليفتها أميركا تطلب منها قرضاً أبت أميركا ان تقرضها بغير ربا، عندها قال اللورد (كنز) في مجلس اللوردات، لا استطيع أن أنسى ذلك الحزن الشديد الذي لحق بنا من معاملة أميركا لنا في هذه الاتفاقية، فإنها أبت أن تقرضنا شيئاً إلا بالربا.

إن قواعد الاقتضاء تقرر أن التخفيف عن الضعفاء من المدينين وغيرهم فيه تمكين لهم من استئناف الكفاح في سبيل العيش، وكل مساعدة لهم تعود بالخير على المجتمع، لان الإبقاء عليهم يؤدي إلى اتساع السوق ووفرة الطلب على السلع وزيادة نشاط الأموال، ومن ثم يكون التنازل عن الدين خيراً للدائن الذي تركه. وهذا ما حدا بأميركا إلى التنازل عن كثير من ديون الحرب والى إنشاء قوانين المعونات الخارجية بدون مقابل.

وما أحرانا للعودة إلى أصول الإسلام الذي حرم الربا وفرض الزكاة حتى تخرج أموال المسلمين إلى مجالات الحياة من زراعة وتجارة وصناعة، فالله عوضنا عن نظام الربا بنظام المضاربة التي تعني ان كلا الطرفين ـ أي العامل وصاحب المال ـ يساهم في الربح والخسارة، وهذا هو العدل بعينه، فلا يجوز تحميل العامل خسارة مالية فوق خسارته البدنية.

من كل ما سبق نجد مصداق ذلك في قوله تعالى «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» فالربا كله تخبط في تخبط ولو ظهر بمظهر حضاري براق».

زكريا الطحان