إن العالم اليوم يهيم على وجهه باسم الحضارة والعلم، وقد تملكه الغرور بما وصل إليه من معرفة وما أدركه من دقائقها، فغزا الفضاء وابتكر وأبدع.

ولكنه يسير على غير هدى، يتخبط في دهاليز المذاهب والأفكار والنظم والقوانين والوضعية، التي جعلته يتسابق في اختراع وسائل تدميره، وبين المسلمين وحدهم مشعل الهداية الربانية، التي بُعث بها خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فأنقذ البشرية من براثن الشرك والجهالة وأخرجها من الظلمات إلى النور وأرسى دعائم الحضارة الإسلامية الفاضلة التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً.فعلى الدعاة الى الإسلام أن يتقدموا لإنقاذ هذه الأمة بعد أن خارت عن الطريق لتنيب إلى ربها وتسير على صراط المستقيم، حتى تعود لها مكانتها وتعود الإنسانية إلى الهدى والحق من جديد، وهذا كله ما يستوجب تأهيل الدعاة بما يتفق ومتغيرات العصر وحجم التحديات، وفي التحقيق التالي نقف على هذه المعوقات.

د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف، يحدد هذه المعوقات فيقول : بعض هذه المعوقات يتعلق بالدعوة نفسها والبعض الآخر يتعلق بعمل الدعاة، لكن تبقى أهم المعوقات وأخطرها، تفرق الشعوب الإسلامية، فلا سبيل لإنقاذ الدعوة في القرن القادم، إلا بتوحيد الفكر الإسلامي والتنسيق والتعاون بين المسلمين في كل دول العالم.

وذلك لمواجهة الدعاوى الكاذبة وحملات الهجوم التي يشنها أعداء الإسلام عليه لتشويه صورة الدين الحنيف في المجتمعات الغربية، واتهامه بما ليس فيه، وعلينا أن ننأى بأنفسنا عن تقاليد الغرب وعاداته، والفترة القادمة تتطلب من الداعية أن يحذو حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وفق المنهج الصحيح للدعوة، والذي يعمق الإيمان بعقيدة الإسلام ويدحض مزاعم أعدائه، كما تتطلب وجود المسجد الجامع الذي يجمع ولا يفرق ويقوي ولا يضعف .

ويلفت فضيلة شيخ الأزهر الاهتمام إلى ضرورة تطوير وسائل الدعوة الإسلامية بما يتفق مع تطورات العصر في القرن القادم وتقنياته وأساليبه، ويطالب الجهات القائمة على الدعوة في العالم الإسلامي، بضرورة التكاتف والأخذ بالأساليب الحديثة في إيصال الدعوة، لمواجهة البدع والأمراض الأخلاقية المنتشرة في المجتمع الإسلامي.

وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في كل مجالات الحياة، وتكثيف جهود الدعاة من خلال الجولات الميدانية الى الدول الإسلامية، خاصة الدول الفقيرة، والجمهوريات الإسلامية الحديثة لشرح القرآن ومعانيه للمسلمين، وإبراز السمات الأساسية للقرآن، على المسلمين ـ حكومات وشعوبا ـ العمل على تهيئة الظروف الملائمة للدعاة ورعاية الأقليات المسلمة، وتقديم مختلف أشكال الدعم لها، حتى لا تشعر هذه الأقليات أنها بمعزل عن العالم الإسلامي.

أعباء صعبة

أما د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري، فيرى أن الدعوة رسالة وليست كما هي عليه اليوم وظيفة أو مهنة، فهي رسالة سامية هدفها خدمة الإسلام والعمل على انتشاره في كل مكان، وفي نفس الوقت الرد على الاتهامات الباطلة التي يروجها أعداء الإسلام ضده، لذا فأعباء الدعوة ليست سهلة.

وتتطلب في المستقبل المزيد من الجهد والكفاح والطموح، وهنا تبرز أهمية إعداد الدعاة الذين يقومون بهذه المهمة، إعدادا جيدا، يتفق مع المتغيرات الجديدة ومتطلبات العصر، والتركيز على القضايا التي تشغل المسلمين في جميع أنحاء العالم، والقدرة على توصيل المعلومة بأسهل الطرق حتى لا ينفر الناس من الدعاة.

يضيف د. زقزوق : إن الإسلام حدد أسس الدعوة الإسلامية، والتي تمثلت في قول الحق سبحانه وتعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، فهذه الآية وضعت ثلاثة أسس للدعوة الصحيحة التي يجب على الدعاة الالتزام بها :

أولها الحكمة فلابد أن يكون الداعية مدركا لقواعد الدعوة الصحيحة، وعالماً بأسهل الطرق المؤدية إلى هذا الهدف، خاصة وأن أعباء الدعاة تتزايد يوما بعد يوم في ظل الحرب الشرسة ضد الإسلام وتعاليمه بالخارج، أما الأساس الثاني للدعوة الصحيحة فيتمثل في الموعظة، التي يتطلب تحقيقها توافر عدة أمور :

منها ما يتصل بالدعوة نفسها و منها ما يتصل بالداعية وأخرى لمن توجه إليهم الدعوة، فإذا اكتملت هذه الأمور، حققت الموعظة عملها بين المسلمين في كل مكان، وتأتي المجادلة بالتي هي أحسن كأهم أسس للدعوة الإسلامية لأنها تتطلب شروطا خاصة في الداعية، ولا شك أننا في حاجة إلى داعية بهذه المواصفات، لديه قدرة على استيعاب روح العصر.

ويقول د. عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر سابقاً : الحاجة أصبحت ملحة لتأخذ الدعوة الإسلامية مكانها الصحيح في العالم، خاصة وأننا مقبلون على وقت تزداد فيه التحديات ضد الإسلام فالعالم الإسلامي يتكون من أكثر من ألف مليون مسلم يعيشون في رقعة شاسعة من الأرض، ورغم ذلك فالغرب يصفهم بالتخلف، وهناك محاولات مشبوهة للترويج بأن الإسلام هو السبب في عدم تقدم الشعوب الإسلامية ومسايرتها للمدنية الحديثة.

ويضيف د. الشيخ : ومن نتائج ذلك أن انغمس الكثير من البلاد الإسلامية في تقليد الغرب، بحثاً عن أسباب التقدم، لذا فعلى الدعاة مسؤولية جسيمة هي تفنيد كل هذه المزاعم والرد عليها بما جاء في الكتاب والسنة، و مراعاة التركيز على الأحداث المعاصرة بما يحقق التفاعل بين الدين وأحداث الحياة، بحيث يتطرق الحديث عن القضايا التي تشغل العالم اليوم وعرض حلول لها من منظور إسلامي، وهذا لن يتم إلا بتكاتف المؤسسات والهيئات الإسلامية نحو توحيد الجهود لتجديد وسائل الدعوة وتنشيط دور الداعية .

ويطالب د. الشيخ الحكومات والشعوب والمؤسسات بتقديم كل الدعم للمسلمين في أوروبا وافريقيا وتوحيد الجهات العاملة في مجال الدعوة الإسلامية، خاصة وأننا نسمع كل يوم آهات العالم الإسلامي في كل أنحاء العالم.

الصف الإسلامي

ويقسم د. طه أبو كريشة بجامعة الأزهر الدعوة الى قسمين، دعوة على سبيل التفقه في الدين وهذه واجبة على فئات معينة، تشير إليها الآية الكريمة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) هذا النوع من الدعاة هم الذين يرجع إليهم في المسائل الدقيقة، لأنهم يمتلكون الخبرة المطلوبة من خلال دراستهم بالمعاهد المتخصصة، أما الفئة الثانية فهي التي أشار إليها الله في قوله تعالي :

( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) يشير د. أبو كريشة إلى أن الدعوة ساهمت في الحفاظ على الصف الإسلامي في كثير من المجتمعات الإسلامية، ضد محاولات التمزق والفرقة، ولابد أن يستمر دورها من خلال نطاق أوسع، فالقرآن الكريم قد حذر من التقصير في الدعوة إلى الله في العديد من المواضع، منها قوله تعالي :

( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة )، لذا فلابد من وضوح الرؤية لدى الدعاة والأمة في هذه القضية وأن يعرف الدعاة بأن ما يصلح لموقف لا يصلح لموقف مغاير، وما يصلح لشخص لا يصلح لشخص يختلف عنه، وما يصلح لأمة ذات شخصية وعقيدة وقيم ومبادئ وتاريخ ومصالح لا يصلح لأمم أخرى.

دعاة أكفاء

د. عبد الصبور شاهين بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة يقول : التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين عديدة ومتنوعة، لذا فالدور المنوط بالدعوة الإسلامية القيام به كبير، والمسلمون ليسوا بحاجة لمساجد بقدر ما يحتاجون لدعاة أكفاء متفتحين، يربطون الماضي بالحاضر، يعون أمور دينهم والحرب الشرشة التي يشنها اليهود ضد الإسلام.

وللأسف الشديد الدعاة اليوم، إما أنهم عاجزون عن تطوير أنفسهم وتحصيل المعارف، أو شغلتهم أمور الدنيا عن الاستزادة من العلم والتفقه في الدين، وهذا النوع من الدعاة أصبحوا أشبه بالموظفين ضيقي الأفق، وهذا ليس في صالح الدعوة الإسلامية على الإطلاق .

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: