هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر، واسمه إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى عبدالله بن قيس الأشعري.

ولأبي موسى جده فضائل يتحدث عنها المؤرخون، ويرون فيها فضلاً ومنقبة لأبي الحسن الأشعري هذا الذي نشأ بالبصرة، في رعاية شيخ المعتزلة أبي علي الجيائي، وكان عوناً له في العمل الكلامي، إذا كان أبو علي يحسن أن يكتب أكثر مما يتكلم، فكان إذا ما دعاه الداعي إلى المناظرة والمناقشة أناب عنه تلميذه الخاص أبا الحسن هذا.. وقالوا إنه أقام على هذه الحال أربعين سنة، فكان إماماً للمعتزلة..!

وتحول أبي الحسن الأشعري الفكري هذا، من الوقفات التاريخية في حياته، وبالتالي في الحياة الإسلامية الاعتقادية، لما كان لذلك من أثر في الصراع المذهبي، بين القوى الفكرية الإسلامية على تحرير العقيدة، ذلك الصراع الذي يعتبر المعتزلة فيه أوضح القوى، وأكثرها فاعلية.

والذي ولد سنة ستين ومئتين، وقيل إنه أقام الأربعين سنة يشار إليه بأنه رأس المعتزلة ثم أراد الله أن ينفع به أهل السنة، غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر، وقال:

معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المرة، لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة إلى الناس.

ويحكى عن مبدأ رجوعه أنه كان نائماً في شهر رمضان، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا علي انصر المذاهب المروية عني، فإنها الحق. فلما استيقظ دخل عليه أمر عظيم، ولم يزل مفكراً مهموماً من ذلك وكانت هذه الرؤيا في العشر الأول، فلما كان العشر الأوسط، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثانياً فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟

فقال: يا رسول الله، وما عسى أن أفعل وقد خرجت للمذاهب المروية عنك محامل صحيحة؟! فقال لي: انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق.. فاستيقظ وهو شديد الأسف والحزن، وأجمع على ترك الكلام، واتباع الحديث وملازمة تلاوة القرآن..

فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وكان من عادته سهر تلك الليلة أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر، فنام وهو يتأسف على ترك القيام فيها فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ثالثاً، فقال له: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقال: تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنتك.

فقال له: أنا ما أمرتك بترك الكلام، إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق. قال: قلت يا رسول الله، كيف أدع مذهباً تصورت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة، لرؤيا؟

قال: فقال لي: لولا أني أعلم أن الله يمدك بمدد من عنده، لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها، فجدّ في ذلك، فإن الله سيمدك بمدد من عنده فاستيقظ وقال: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك. وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين لما لم يسمعه من شيخ قط، ولا اعترضه به خصم، ولا رآه في كتاب..!!

الذي روى القصة السابقة هو السبكي في طبقاته، ولعلي لا أميل إلى تحبيذ صحتها، وأنها سبب لنقلة الإمام الأشعري من الاعتزال إلى أهل السنة والسلف، فكثيرون هم الذين تتغير مواقفهم ويرشدون في هديهم دونما رؤى منامية.

أو أن يكون الزائر في المنام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الإصرار على إمداده بمدد من الله، قد يريد من وراء هذا اللفظ إضفاء قداسة من نوع على مختارات الأشعري، وهؤلاء يليق، فإن كثيرين من العلماء من أهل السنة والسلف على مر السنين رأوا مخالفة أبي الحسن في أمور رأوه فيها على غير منهج أهل السنة والسلف، فكان في نظري ترك ذكرها أولى وأجدر!!

ويذكر السبكي أن الأشعري كان بعد تحوله شديداً على المعتزلة إذ أصبحوا يفرون من مواجهته وجداله فقال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: حضرنا مع الشيخ أبي الحسن مجلس علوي بالبصرة فناظر المعتزلة، خذلهم الله، وكانوا يعني كثيراً، فأتى على الكل وهزمهم، كلما انقطع واحد (تناول الآخر) حتى انقطعوا عن آخرهم، فعدنا في المجلس الثاني، فما عاد منهم أحد، فقال بين يدي العلوي: يا غلام، اكتب على الباب: فروا، وقال الإمام أبو بكر الصيرفي:

كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجزهم في أقماع السمسم. وقال الأستاذ أبو عبدالله بن خفيف: دخلت البصرة أيام شبابي، لأرى أبا الحسن الأشعري لما بلغني الخبر، فرأيت شيخاً بهي المنظر، فقلت: أين منزل أبي الحسن الأشعري؟

فقال: وما الذي تريد منه؟ فقلت: أحب أن ألقاه، فقال: ابتكر غداً إلى هذا الموضع. قال: فابتكرت، فلما رأيته تبعته، فدخل دار بعض وجوه البلد، فلما أبصروه أكرموا محله، وكان هناك جمع من العلماء، ومجلس نظر، فأقعدوه في الصدر، ثم سأل بعضهم مسألة، فلما شرع في الجواب دخل الشيخ، فأخذ يرد عليه ويناظره حتى أفحمه، فقضيت العجب من علمه وفصاحته، فقلت لبعض من كان عندي:

من هذا الشيخ؟ فقال أبو الحسن الأشعري.. فلما قاموا تبعته، فقال لي: يا فتى، كيف رأيت الأشعري؟ فقلت: يا سيدي كما هو في محله، ولكن لم لا تسأل أنت ابتداءً؟ فقال: أنا لا أكلم هؤلاء ابتداءً، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله رددنا عليهم، بحكم ما فرض الله سبحانه وتعالى علينا من الرد على مخالفي الحق..!

ولكن ما هو قوله الجديد؟!

لقد ذكر الدكتور محمد السيد الجليند المناظرة التي تمت بينه وبين الجبائي حول سؤال وجهه الأشعري إلى الجبائي عن ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي لم يبلغوا الحلم بعد، فقال الجبائي: المؤمن من أهل الجنة والكافر من أهل النار، والصبي من أهل النجاة.

فقال الأشعري: إن أراد الصبي أن يرقى إلى الدرجات العليا في الجنة هل يمكن له ذلك؟

فقال الجبائي: لا؛ لأن المؤمن نال درجته بالطاعة، والصبي لا طاعة له. فقال الأشعري: فإذا قال الصبي: التقصير ليس مني فلو أحييتني لأطعتك: فقال الجبائي: يقول الله له: أعلم أنك لو كبرت لكفرت فتدخل النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً.

فقال الأشعري: لو قال الكافر: ولم لم تمتني صغيراً حتى لا أعصيك، وهلا راعيت مصلحتي كما راعيت مصلحة الصبي؟ فانقطع الجبائي عن الجواب.

وعندها ترك الأشعري مذهب الاعتزال وتحول إلى مذهبه الجديد. وبدأ يصنف مؤلفاته الجديدة في إبطال آراء المعتزلة، وتعتبر هذه المناظرة أشهر مناظرات الأشعري مع المعتزلة على الإطلاق لارتباطها بالتحول الذي طرأ على حياة الأشعري.

وصنف كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) على مذهب أهل السنة والجماعة في مسائل علم الكلام التي خالف فيها المعتزلة، وركز بصفة أساسية على مخالفة المعتزلة لما كان عليه السلف في المسائل الكبار، مثل قضية خلق القرآن، أفعال العبادة القدر، الصفات الإلهية، وكان من أهم ما صنفه في بيان مذهب السلف في هذه المسائل ثلاثة كتب مختصرة هي:

1ـ (الإبانة عن أصول الديانة) وقد قمت بنشرها محققة تحقيقاً علمياً ومعي الأستاذة الدكتورة فوقية حسين ـ رحمها الله ـ أستاذة الفلسفة الإسلامية بكلية البنات جامعة عين شمس.

2ـ اللمع، وقام بتحقيقه الأستاذ الدكتور حمودة غرابة.

3ـ رسالة أهل الثغر، وقد طبعت محققة بعنوان: أصول أهل السنة والجماعة، حيث قام بنشرها محققة أ.د. محمد السيد الجليند أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم. وتعتبر هذه المؤلفات الثلاثة أهم المصنفات التي انتصر فيها لمذهب السلف. ومن أهم معالم مذهبه الجديد:

1ـ القول بأن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق.

2ـ القول بأن أفعال الإنسان مخلوقة لله مكسوبة للعبد.

3ـ القول بأن أفعال الله تعالى لا تعلل؛ لأنه تعالى لا يسأل عما يفعل.

4ـ القول بإثبات الصفات الإلهية كما وردت في القرآن دون تأويل، وقد تأولها أتباعه من بعده، ومالوا بها إلى رأي المعتزلة.

5ـ لا يجب على الله فعل الصلاح والأصلح.

6ـ حسن الأفعال وقبحها مصدره الشرع وليس العقل.

7ـ إثبات الشفاعة العظمى للرسول صلى الله عليه وسلم.

8ـ الإمامة تكون بالوصف وليس بالنص كما تزعم الشيعة.

9ـ مرتكب الكبيرة ليس بكافر كما تزعم الخوارج، وإنما هو مؤمن عاص، إن تاب تاب الله عليه.

10ـ الإمامة والخلافة ثبتت لأبي بكر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وترتيب الخلفاء الراشدين في الأفضلية يكون حسب ترتيبهم في الخلافة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهما جميعاً.

أهم معالم منهجه أنه يميل إلى اعتبار النص الشرعي وتقديمه على العقل في الشرعيات؛ لأنه يرى أن الاعتماد على العقل وحده في مسائل الإيمان قد يؤدي إلى الزلل والضلال، ومن هنا فإنه يقول بتقديم الشرع على العقل، كما أنه يقول بأن الإيمان بالله وصفاته وبالملائكة وبالغيبيات عموماً، ومنها:

مسائل البعث والحساب، والجنة والنار، ومسألة الشفاعة، وغيرها مما يسمى في علم الكلام بالسمعيات، هي كلها أمور توقيفية لا مجال فيها للرأي أو الاجتهاد..! وذكرله العلماء مؤلفات منها: 1ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. 2ـ الإبانة عن أصول الديانة. 3ـ اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع. 4ـ رسالة أهل الثغر المسماة بأصول أهل السنة والجماعة. 5ـ رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام.

كما تذكر كتب التراجم والطبقات مؤلفات كثيرة للأشعري في الرد على الفلاسفة والدهريين والزنادقة والبراهمة، ولكن لم يصلنا شيء من هذه الكتب ولا يعرف لها مكان حتى الآن.

ومن أهم ما ينبغي الإشارة إليه أن الأشعري يقلل من العقل في العقائد، ويكبر دوره في المحسوسات والمعارف الكونية حيث يكون هو الأساس لكل حكم ورأي.. رحمه الله رحمة واسعة.