أكد المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبوالمجد أن شهر رمضان فرصة سانحة لكل المسلمين لإعادة التفكير في البحث عن مخرج للأمة الإسلامية التي كان لها السبق في الماضي.

وهذا ما يعكس مدى احتياج المسلمين إلي مثل هذه الأيام التي تصفو فيها العقول وتتأمل لاسترجاع الحالة واسترداد المنزلة ولتكون المحصلة النهائية أن ترتقي الأمة الإسلامية من جديد، مشيراً إلي أن هذا الشهر تجتمع فيه سمات أربعة تعظم من قدره فهو شهر الصوم والتفكير والخلوة والعطاء.

ودعا في حواره لـ «وكالة الصحافة العربية» الأمة الإسلامية إلي ضرورة الاستفادة من مقدم هذا الشهر لإعادة بعث روح السعي والعمل الجاد من جديد الذي لا يزال شعاراً لحضارة الإسلام، هذا العمل الموصوف بالإتقان القادر على الثبات في ساحات المنافسة، والهادف إلى امتلاك مقدرات القوة الإيجابية البعيدة كل البعد عن السلبية والانسحاب، رافضا القول بصراع الحضارات الإنسانية، والتفاصيل في السطور التالية:

* ماذا يمثل لك شهر رمضان؟

ـ يمثل لي فرصة سانحة للتفكير في كيفية البحث عن مخرج لهذه الأمة التي كان لها السبق في الماضي، والتي قال فيها سبحانه وتعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس» .

وقال أيضاً: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين»، فلا يصح أن يكون حال الأمة هكذا وعدد المسلمين الآن فاق المليار نسمة، فالأمة الإسلامية تحمل رسالة إلى العالم ولابد أن تكون قدوة فالله سبحانه وتعالى يقول: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً»، ومعنى الشهادة أننا نقدم قيما لهم ونكون قدوة ومثلاً يحتذى به.

وما أحوج المسلمين إلى مثل هذا التأمل في هذا الشهر الكريم لأن روح رمضان، لابد أن تكون مدخلاً لاسترجاع الحالة واسترداد المنزلة لترتقي الأمة الإسلامية مرة أخرى، وقد قال تعالى:

«شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» فرمضان ليس شهرا للصوم فقط، بل شهرا تجتمع فيه أمور أربعة لكل واحد منها معنى كبير، أولها شهر الصوم، فالصوم له مظهر وله حقيقة، أما مظهره فهو الامتناع عن الطعام والشراب ولكنه تدريب للإرادة في أن تقوى ونقاوم رغباتنا وشهواتنا وأن نتحمل العناء، كذلك تدريب للجوارح، فهذا الشهر يعتاد الإنسان فيه على تظهير جوارحه وتدريبها على مكارم الأخلاق، وهو ما يجب أن يكون عليه مسلك الإنسان المسلم طوال العام.

حال الأمة

* وماذا عن الميزة الثانية لشهر الصوم؟

ـ الميزة الثانية التي يختص بها هذا الشهر هي أنه شهر التفكير فينبغي أن تعلم أن التفكير يكون في حال الفرد وحال الأمة التي ينتمني إليها هذا الصائم، فالإنسان يجب أن يفكر في حاله ماذا قدم وكيف كان حاله في الشهور التي مضت.

وكيف يبايع الله سبحانه وتعالى على كيف سيكون سلوكه في الشهور المقبلة، وتأتي الميزة الثالثة لهذا الشهر وهي أنه شهر الخلوة، تلك الخلوة المرتبطة بالتفكير أيضا وقد سنت الخلوة في العشرة الأواخر من هذا الشهر الكريم.

أما الميزة الرابعة لشهر رمضان التي اختص بها الله سبحانه وتعالى شهر رمضان هي أنه شهر العطاء، وشهر الإيمان وشهر الإسلام وشهر الإحساس وخلق الأنبياء، فقد كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يتنزل عليه جبريل بالقرآن، فكان صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر أجود بالخير من الريح المرسلة، لذلك حث على إطعام الصائم.

كما أن هناك أحاديث عديدة تؤكد أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فهذه الأمة خصها الله بشهر عربي كامل من كل عام نهدأ فيه قليلاً ونصوم كثيراً ونتدبر القرآن ليلاً ونهاراً، ثم نتفكر في أحوال أمتنا فرداً وجماعة ثم نتبادل العطاء والفضل.

تحقير الدنيا

* وهل خصص الله تعالى شهر رمضان للعبادة والاعتكاف فقط؟

ـ خص الله تعالى شهر رمضان بخصال عظيمة وأمر المسلمين بصومه، ولكي لا يعني ذلك الامتناع عن السعي للرزق والسير في مناكب الحياة ودروبها نظراً لأن الإسلام لم يحقر الدنيا بل حث على السعي فيها، فالأرض هي التي أخرجت الأنبياء والشهداء من بني آدم وأن طريق الآخرة لابد له أن يمر من الدنيا، ولذلك لابد من التأكيد على أهمية الإقبال على الحياة في رمضان وغير رمضان، والسعي لتعمير الأرض بالعلم والعمل في رمضان وغيره.

ويجب على أمتنا أن تتجه إلى العمل الجاد الذي كان ولا يزال شعاراً لحضارتنا الإسلامية، والقرآن الكريم يهتف في المسلمين صباح مساء: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون».

ولكن المأسوف له أن واقع أمتنا يؤكد تراجع قيمة العمل في حياة المسلمين تراجعا هائلاً في كمه ونوعه، وفي إتقان أدائه، ولا يخفى أنه من متطلبات نجاح العمل في الإسلام حسن الأداء والإحسان والإتقان، لأنه لا يمكن أن يثبت في ساحة المنافسة أي عمل غير مجوّدْ، ولا أداء غير متقن، فالله عز وجل قد كتب الإحسان على كل شيء.

ومن أهم شروط النهضة أيضا إطلاق النفوس من إسارها، وتحرير الملكات من قيودها، وتوفير الحرية للإنسان المسلم في كل حياته، ومن تلك الشروط أيضا تحرك الهمة وعقد النية، فرب همة أحيت أمة، وهذه الهمة هي التي تنقل الأمة من السكون إلى الحركة ومن الانكفاء على الماضي إلى التوجه للمستقبل، وهي التي تنقل الجيل كله من الحيرة والإحباط إلى الأمل واتساع الرجاء.

إن عجلة السباق دائرة، والزمن يتحرك في سرعة مذهلة، ونحن لا نملك إبطاء الخطى أو التردد في ضرورة العمل للحاق بركب التقدم، كما لا نملك أن ننعزل عن الدنيا أو أن نعتزل القافلة، إذ كان المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، فإن سبيل القوة هي الإيجابية والإقدام لا السلبية والانسحاب، ولا مكان بعد ذلك لمتردد أو عاجز أو متخلف.

علاقة الضعيف بالقوي

* كيف ترى علاقة المسلمين بالغرب في الوقت الراهن؟ ولماذا يقفون دائما موقف الفكر الدفاعي؟

ـ العلاقة بين الأمة الإسلامية والغرب مثلها علاقة الضعيف بالقوي، أقول هذا لأنه على الرغم من أن المسلمين أقوياء بعقيدتهم وبنيتهم المتماسكة، مصداقاً لقوله تعالى «إنما المؤمنون إخوة» إلا أن ضعفنا جاء بعدما هدموا هذه الاخوة وقلبوها في علاقاتهم إلى عداوة، فكان من الطبيعي أن يضعفوا وينهزموا أمام الآخر، أما وقوف الفكر الإسلامي موقف الفكر الدفاعي في علاقته بالغرب.

فهذه هي طبيعة الضعيف، فهو مدافع دائما ولهذا يجب على المسلمين أن يعيدوا بناء أنفسهم، فالمسلمون أقوياء ولم يكونوا وقتها في موقف دفاع، فدائماً يكون غيرهم في موقف الدفاع الفكري وليس الدفاع الجسدي بالطبع، لأننا لم نكن يوماً معتدين فالإسلام لا يعتدي على غيره مطلقاً.

* كيف ترى ما قاله المفكر الأميركي صموئيل هنتنفتون عن صراع الحضارات؟

ـ أرفض مقولات هنتنفتون حول صراع الحضارات.. فالحضارات لم تدخل معركة، والعالم لم يعد جزراً منعزلة بل أصبح عالماً متفتحاً على بعضه، وأصبح الجميع معرضين لما يحبون وما لا يحبون.

ومن ثم لا يمكن أن يتصور المسلمون أنهم يعيشون في جزيرة معزولة أو عالم آخر، والنظام العالمي يتغير وهنالك أشياء سقطت منه ولم تقم دلائلها بعد كما أن العالم يتجه إلى التجمعات والدخول إلى النظام الجديد يكون جماعات وليس فرادى، والعرب والمسلمون إذا لم تكن لهم جماعة لن يكون لهم مكان في العالم ولن يحصلوا على عضوية النظام العالمي الجديد.

* وهل ترى أن الأمة الإسلامية تمتلك مقومات ذلك؟

ـ مادمنا نملك حضارة ومخزوناً تراثياً ضخماً فإننا نشكل خطراً على الجماعات الأخرى، بأنه لا يراد لنا أن نكون كتله بدعوى أننا ضد الحضارة كما يرى الآخرون، وهذا يتطلب منا الانفتاح على الآخرين لاثبات خطأ ذلك، ويتطلب منا الحركة والاغتراب والاتصال.

وليس الانفصال والحضور وليس إسلام السكون، فإذا كنا نريد حقاً إحداث النهضة، فإن علينا أن نعرف ماذا يريد منا الإسلام، وأن نكف عن الانكفاء على الماضي والعمل على استحضاره بدلا من الرجوع إليه، كما اننا بحاجة إلي رؤية عقلية متبصرة واعية بالتاريخ وبالعالم، وأن ندرك أن الاختلاف والمفارقة هي أساس العالم.

وأن تكون لنا رؤيتنا وحضارتنا التي يمكن أن تسهم مع الآخرين في التعمير وتحسين العلاقات الإنسانية، وهذا يحتاج إلى ثورة ثقافية وأن نكون فاعلين لا مستقبلين وأن ندرك حجم التحدي ونملك الطاقة للحركة وأن يؤدي العلماء دورهم، فإذا ما حدث ذلك فسوف نحقق ما لم نكن نتصور تحقيقه.

حضارة إيمانية

* في تصورك ما هي الأسس والمبادئ التي تشكل نقاط التقاء بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؟

ـ هناك التقاء وعناصر مشتركة بين الحضارتين الإسلامية والغربية فكلتاهما تؤمن بالإنسان وحرياته وبالتعددية.

كما أن كلتا الحضارتين تعاني من تيارات متطرفة وإن كانت جانبية أو هامشية فالعالم الإسلامي به تيار متطرف ديني لا يعبر عن روح الحضارة الإسلامية في تيارها الكاسح، والعالم الغربي من جانبه فيه حركات وتيارات وإباحية، وليس هذا هو التيار العريض للحضارة الغربية وكل ذلك يؤكد ضرورة البدء في الحوار البناء ولكن على أسس موضوعية وبعيدا عن لغة التعالي والشك.

* إذا كيف يكون هذا الحوار البناء والأسس الموضوعية له؟

ـ الحوار البناء هو الحوار الذي يضع في اعتباره مصلحة الإنسان في المقام الأول ويهدف إلى دعم وترسيخ أسس السلام والأمن والاستقرار في المجتمعات البشرية وفي العالم كله بصفه عامه، وحتى ينجح هذا الحوار لابد أنه يكون قائما على المصارحة من أجل إزالة العوائق التي تعوق وصوله إلى أهدافه الحقيقية.

وهذا يعني البحث عن أسباب سوء الفهم والأحكام المسبقة والأفكار الخاطئة والعقد القديمة لكلا الجانبين، والعمل على إزالتها حتى يمكن بناء جسور من الثقة المتبادلة والفهم المشترك والاحترام المتبادل، فلا يعقل أن يكون هناك حوار مثمر بين طرفين إذا كان كل منهما يتوجس من الآخر أو يتربص به ويتآمر عليه، فلابد إذن من توفر المناخ الصحي لكل شكل من أشكال الحوار على أساس من الندية واحترام كل طرف للآخر، حتى يمكن أن يكون حواراً بناء ومفيداً للطرفين.

تحقيق المعجزات

* من وجهة نظركم ما الأهداف التي يمكن أن يحققها الحوار الإسلامي الغربي؟

ـ للحوار أهداف عديدة، فبالحوار والإصرار عليه يمكن تحقيق المعجزات وإذا كنا نهدف إلي مصلحة الإنسان وخيره وخير أمته، فإن هناك أموراً كثيرة لابد من الاهتمام بها في أي حوار يتم بين الجانبين ومن بين هذه الأمور، البحث عن صيغة للتعاون في مجال تعميق القيم الروحية والأخلاقية من أجل إنقاذ الإنسان من إسار المادية الطاغية التي جعلت منه عبدا للمال والمتعة المادية.

كذلك التعاون في الحفاظ على مؤسسة الأسرة بوصفها الخلية الأولى في بناء المجتمع، والتعاون في حماية المجتمع من التطرف والجريمة المنظمة والإرهاب والمخدرات، وكذلك ضرورة التعاون في مجال حماية البيئة من العبث بها ومحاولات تدميرها بأي شكل من الأشكال.

والعمل على تصحيح التصورات الخاطئة عن كل طرف لدى الطرف الآخر في مجالات التعليم والإعلام، بالإضافة إلى توجيه البحوث العلمية بصفة عامة وبحوث الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية بصفة خاصة، لخدمة الإنسان وليس لتدميره والعبث به.

* دار جدل كبير حول وجود أزمة العقل المسلم فهل ترى أن ثمة أزمة تواجه هذا العقل؟

ـ لا يجتمع إسلام وأزمة ولا ينفصل إسلام عن عقل، فالإسلام دين العقل والتذكر والتبصر وفي آيات القرآن الكريم دلائل كثيرة على ذلك منها على سبيل المثال «أولي الألباب» «يعقلون» فكيف يكون هناك أزمة عقل مسلم إنما أقول إن هناك أزمة في العقل المريض الذي يلصق بالإسلام الأزمات.

وخاصة بين أعداء الإسلام الذين يختلقون التغيرات والمفاهيم الخاطئة عن الإسلام ويطعمونه بها وهدفهم بذلك، هو بلبلة عقول المسلمين لتنصرف عن الاهتمام بمواقعها والتفكير في مستقبلها فقد نجح الغربيون في تحقيق هدفهم إلى حد كبير، فهناك الكثير من المسلمين لا يعلمون شيئا عن دينهم ولا عن مشاكل مجتمعاتهم الإسلامية فكيف تطلب منهم أن يعملوا بعقولهم للعمل على حلها، فالأزمة الحقيقية إذا تكمن في محاولة تغيير العقل المسلم، ومحو طاقته الفكرية الإبداعية وهي أزمة خطيرة بكل المقاييس.

* إذا كيف نعود بهذه العقول إلى الإطار الصحيح؟

ـ أرى أن ذلك يحتاج إلى تكاتف كل المؤسسات الإسلامية داخل المجتمعات المسلمة، بحيث تظهر روح الإسلام الحقيقية لكل من يشوب عقله أي نقص في جانب من جوانب الإسلام حتى تشارك هذه الأعداد الكبيرة من العقول الكبيرة في تحمل مسؤوليتها لخدمة دينها ومجتمعاتها، وهذا يتطلب خطة متكاملة للنهوض بالعمل الإسلامي داخل هذه المجتمعات.

وتستند في الأساس على أسس ثقافية ترتكز على تصحيح القرآن الكريم الذي هو دستور حياة المسلم ومرجعه الأساسي في كل الأمور والسنة النبوية الشريفة، التي هي تفسير لمنهج القرآن وتعاليمه ثم تأتي للكتب الإسلامية التي يكتبها علماء ثقاة لا تشوب أنفسهم أغراضاً سيئة.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية