كان من ضمن عوامل القوة عند الأفغاني، وقوة نفوذه وشدة تأثيره، تكمن في حقيقة منهجه وقد اتخذ طريقاً يُعد الأمثل لإبلاغ أفكاره إلى الآخرين، وبتعبير آخر، توخى منهجاً ييسر له بث معتقداته واستقطاب تلاميذه ومريديه، والمنهج هو الطريق الواضح في التعبير عن شيء أو في عمل شيء أو في تعليم شيء طبقاً لمبادئ معينة وبنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة.
ومن المميزات التي تميز بها الأفغاني عن قرناء عصره، المنهج الذي اتبعه في الدراسة، وتبليغ دعوته التي حملها إلى طلابه وجماهير المسلمين، فهذا المنهج الذي طرحه من جديد على الساحة الفكرية لم يكن جديداً بالمرة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، بل هو من صلب تراثه، وجزء من نسيجه، إنما تكمن الجدة والطرافة في إعادة صياغته.
واستخدامه في عصر ساده الجمود، وانتشرت فيه الخرافات. لقد أحيا الأفغاني المنهج العقلي من جديد، وهو عن المنهج الذي اتبعه المعتزلة، واتخذوه وسيلة لفهم النصوص وكشف الحقائق، وفهم مضامين الإسلام، ثم رفع لواء فلاسفة الإسلام الكندي والفارابي وابن سينا، لا سيما ابن رشد وتوج به قمة انتصار الفكر العربي، ولما تخلى المسلمون عن ركب الحضارة، وأصابهم ما أصابهم، وخضعت دولتهم للتدخل الأجنبي من مماليك وعثمانيين وأوروبيين، طمس هذا المنهج وأخفيت معالمه ودرست آثاره.
وجاء الأفغاني يشعل النور في العقول، فرفع من شأن النزعة العقلية، وحاول باستخدام الدليل العقلي، والحجة المنطقية، والاعتماد على «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» (النمل 64) والتعويل على الاستدلال، أن يعيد الذهنية العربية إلى مجدها القديم، ويوجه سيرها نحو الطريق الصحيح، واستطاع أن يؤسس العقيدة على أساطين المنطق والحكمة العقلية، ويثبت صحة الوحي وينتهي إلى إيضاح البراهين المحمدية.
وبالإضافة إلى النزعة العقلية استخدم الأفغاني أسلوب الحوار، في مجادلة طلابه ومحاوريه وخصومه كأنه سقراط العصر في الحلقات الدراسية التي كان يعقدها في بيته أو في القهوة.
كانت تطرح القضايا، وتتبادل الآراء، وتتباين وجهات النظر، ويندفع كل طالب يعبِّر عن رأيه، ثم يبدأ الأفغاني بمناقشة الآراء وتفنيدها ودفع حجة الخصم وهذه مرحلة الهدم، ثم ينبري في بلورة أفكاره في هدوء وسلاسة، واختيار الحدود التي تعبِّر عن مضمون رأيه من دون تهويل أو تهوين.
ففي حوار بينه وبين قيصر روسيا يستفسر عن سبب عدائه لشاه إيران، قال الأفغاني: إنه الحكومة الشورية، أدعو إليها ولا يراها. قال القيصر: الحق مع الشاه فكيف يرضى ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته؟ قال الأفغاني: أعتقد يا جلالة القيصر أنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقاء من أن يكونوا أعداء يترقبون له الفرص، فأفحم القيصر، وقام علامة على انتهاء المقابلة.
والعنصر الثالث في منهجه، استشهاده بالآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في أغلبية المناسبات والعمل على تأويلها إذا دعت الضرورة وعدم الوقوف عند المعنى الظاهري، كما نرى في قضية القضاء والقدر، وتقريره للحرية الإنسانية، وحثه الإنسان على تحمل مسؤوليته تجاه واقعه اليومي، ورفع شبهة الجبرية عن عقيدة الإسلام. قال محمد عبده عن منهجه: إنه ما خاصم أحداً إلا خصمه، ولا جادل عالماً إلا ألزمه، وقد اعترف له الأوروبيون بذلك بعدما أقرّ له الشرقيون. (للحديث بقية)