في ديوان الأمير عبدالقادر قطعة من أربعة أبيات، عنوانها «وراء الصُّورة». والذي في الحاشية (ص29) أنّ الأمير عبدالقادر كان من عادته أن يكتب هذه الأبيات تحت صورته، أو خلفها لمن يُهْدِيها له، وفيها:
لئن كان هذا الرّسْمُ يعطيك ظاهري
فليس يُريك الرّسْمُ صورتنا العُظمى
وعلى رغم فخامة صور الأمير التي التقطت له وانتشرت نراه لا يجد حقيقة شخصيّته في تلك الصُّور التي يَعُدّها قشرةً ظاهريةً لا تدلّ على ما يتحلّى به من صفات، ولا تفصح عن عظمته التي عاش في ظلالها، وإن كانت الأيّام قد دارت به في ظروفٍ مُختلفة بين قيادة وسيادة، وأَسر، واغتراب.
هو عبدالقادر بن محيي الدين بن مصطفى الحسني، الجزائري، ولد في القيطنة التابعة لولاية وهران بالغرب الجزائري، وتعلم في وهران. وأدّى فريضة الحجّ مع والده سنة 1241 هجريّة، وزار المدينة المنورة ودمشق وبغداد.
وقدّر لعبد القادر أن يحمل أعباء إحدى الثورات التي هبّت في القُطر الجزائري، بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1930. والتفّ حوله (سنة 1246 هجرية ـ 1843 ميلادية) أهل البلاد ليكون هو قائد المقاومة وأمير الجهاد ضد الفرنسيين. وقاتل عبدالقادر المعتدين خمسة عشر عاماً، وهو يدير تلك المقاومة وينهض بشؤون البلاد.
وأنشأ معامل للأسلحة والأدوات الحربية وملابس الجند، وسكّ باسمه نقوداً عُرفت بالمحمّديّة. وأحرز عبدالقادر في حُروبه انتصاراتٍ على الأعداء. وطرأت على حركة الجهاد بقيادة عبدالقادر ظروف صعبة منها انقطاع المدد من المغرب بسقوط مدينة (وجدة) القريبة من وهران.
وفي ترجمته في الاعلام: وكان في معاركه يتقدّم جيشه ببسالة عجيبة وأخباره مع الفرنسييّن في احتلالهم الجزائر كثيرة، ولما هادنهم سلطان المغرب الأقصى عبدالرحمن ضَعُفَ أمْرُ عبدالقادر فاشترط شروطاً للاستسلام رضي بها الفرنسيون سنة 1847، فنفوه إلى طولون ومنها إلى أنواز (أقام فيها أربع سنوات وزيادة) وزاره نابليون الثالث فسرَّحه وشرط ألا يعود إلى الجزائر، فذهب عن طريق باريس إلى الاستانة مركز الدولة العثمانية، وأُعين على نزول دمشق معززاً مكرّماً سنة 1271ه. وفي دمشق كانت وفاته.
وفي ديوان عبدالقادر قصائد تعزّز الصورة التي بدت ملامحها في البيت الذي اخترناه له في أول الكلام. ومنها قصيدة وُضع لها عنوان: «بي يحتمي جيشي» يقول فيها:
أميرٌ إذا ما كان جيشي مُقبلاً
إذا ما لقيتُ الجيش إنّي لأوّل
أُدافع عنهم ما يخافون من ردى
ومن عادة السّادات بالجيش تحتمي
وموُقد نار الحرب إذْ لم يكن صالي
وإنْ جالَ أصحابي فإنّي لها تال
فيشكر كلُّ الخلق من حسن أفعالي
وبي يحتمي جيشي وتُحْرَسُ أبطالي
وسائر أبيات القصيدة في هذه الرّوح
وسأله بعض أمراء فرنسا: البدو أفضل أم الحضر فأنشد قصيدة فضل فيها البادية منها:
نبيتُ نار القرى تبدو لطارقنا
عَدوّنا ما له ملجأ ولا وَزَرٌ
فيها المُدَاواةُ من جوعِ ومن خَصَر
وعندنا عادياتُ السبقَ والظفرِ
وتلتقي هذه اللمحات مع أبياته التي كان يسطرها مع صورته المُهداة:
لئن كان هذا الرسم يُعطيكَ ظاهري
فثمّ وراءَ الرّسْمِ شخصٌ مُحَجَّبٌ
وما المرءُ بالوجهِ الصّبيح افتخارهُ
وإن جُمّعت للمرءِ هذي وهذه
فليس يريك الرّسْمُ صورتنا العُظمى
له همّة تعلوُ بأخمصها النّجْما
ولكنّه بالعَقْل والخُلق الأَسْمى
فذاك الذي لا يُبْتغى بعده نُعْمى!
وهذا الشعر يجري على نمط الفخر المألوف في أدبنا العربي من الفُرسان والقادة والعُظَماء، وهو يعكسُ (يصوّر) ما مضى من تاريخ الرجل، وما هو عليه من الأنفة وعزّة النفس، ومعرفته بنفسه. ومن هنا استقلّ دلالات الصورة الظاهرة وإن كانت تدلّ على الأبهة والفخامة.
