إذا كان للحاكم واجبات تجاه المحكومين وقد بينا في الحلقة الماضية اهمها وهو إقامة العدل في الرعية وتكافؤ الفرص، ففي هذه الحلقة نتحدث عن واجب الأمة الإسلامية التي وصفت بالخيرية، وهذا الذي أضفى عليها هذه الخيرية هو:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أولى التشريع الإسلامي هذه الفريضة وهي فريضة لاشك لها أهمية قصوى وعناية فائقة لانها تمس مساً مباشرة الحياة الإسلامية ولها الأثر الواضح في توجهات المجتمع الإسلامي للأقوم والأمثل وتحصنه من الانحراف عن الخط المستقيم ويؤكد ذلك ورود «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الواجبات التي جعلها الله سبحانه وتعالى علامة من علامات المؤمن المميزة له عن سائر المسلمين. قال تعالى:

«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله واولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم» سورة التوبة ـ الآية 71، وننظر ماذا قال المفسرون في هذه الآية الكريمة. يقول الدكتور محمد محمود حجازي في «التفسير الواضح» المعنى:

المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، هذا الولاء الصادق هو بالنصرة والمعونة والمساعدة في السراء والضراء، والوقوف بجانب بعضهم في الشدائد والمكروه، بعضهم أولياء ببعض ولاية أخوة ومودة ومحبة وصداقة، فنبيهم صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وهو القائل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» هذا هو أساس الإيمان وطبعه، لا فرق بين ذكر وأنثى، فالخطاب موجه «للمؤمنين والمؤمنات» وقد كانت النساء في صدر الإسلام يقمن بالمعونة والنصرة في الحروب وغيرها على قدر طاقتهن مع التجمل بالآداب والحياء ولبس لباس الدين والعفاف، وهذه النصرة المشار إليها هي في الدفاع عن الحق والعدل والكرامة والدعوة إلى آلله» هذا هو الذي يميز المؤمنين عمن سواهم:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي سبقته الاشارة إلى ولائهم لبعضهم بعضاً، وهذا ما أكسبهم الخيرية كما ذكرنا، ويلاحظ أن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقدم في الذكر بالآية الكريمة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما ركنان مهمان من أركان الإسلام بعد الشهادتين وردا متلازمين في كثير من الآيات في القرآن العظيم، ومن هنا يتضح ما لهذه الفريضة من مكانة تجعلها تتقدم بالذكر إقامة الصلاة وايتاء الزكاة فوجب ان نقف عند ماهية هذه الفريضة التي اكسبتها التميز.

ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء مقترناً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يعتبر من الركائز والدعامات الرئيسية في بنيان الإسلام وإقامة الدولة المسلمة الصالحة للتمكين في الأرض.

قال تعالى: «الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور» ولأهمية الأمر بالمعروف أولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهمية القصوى في حديثه الشريف الذي يوجب علينا تغيير المنكر باليد إذا كان ذلك في استطاعتنا فإن لم يكن فباللسان أي الارشاد والتوجيه بالقول لا بالفظاظة والغلظة التي قد تجلب التنافر والجفوة وانما بالمجادلة بالحسنى.

وان لم نستطع فلا أقل من أن نستنكر ذلك بقلوبنا بمعنى أن لا نمر على المنكر الذي عجزنا عن تغييره بأيدينا أو بألسنتنا لسبب أو لآخر، مروراً لاتحدثنا بانكاره قلوبنا، أي وكأننا لسنا معنيين به وللأسف الشديد هذا ما يحدث في واقعنا المعاصر فهذه الفريضة المهمة معطلة تماماً في مجتمعاتنا المعاصرة، في زماننا الصعب الذي نعيشه تحت ظروف تعطيل أو هجر كثير من سنننا، وبعد ذلك نتباكى على ما يحدث لنا من المشاق والظروف القاسية وما يحدث لنا من امتهان الآخر واذلاله لنا.

وننسى اننا السبب الأول والآخر فيما يجري، فإذا كان قول ربنا تبارك وتعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض»، يعني بحسب ما ذهب إليه المفسرون: النصرة في الشدائد والتضامن والتآزر والأخوة والمحبة والمودة، ننظر فيما بيننا: هل لهذه المعاني وجود في حياتنا المعاصرة؟

ان الجيران في بناية سكنية واحدة أو في حي شعبي واحد لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً ناهيك عن إقامة جسور المودة والتراحم والتناصر بينهم الا من رحم ربي وقليل ما هم، حتى الذين يؤمون المساجد اذا غاب من بينهم أحدهم لا يتفقدونه لأنهم لا يعرفون عنه شيئاً.. من هو؟ إين يسكن؟

وما إلى ذلك، أمر مؤسف حقاً. ان المؤمنين والمؤمنات الذين يعيشون الولاء لبعضهم بعضاً بمعناه الصحيح الذي وقفنا عليه من خلال تأويل علمائنا المفسرين للآية الكريمة الذين يطيعون الله ورسوله، الوعد من الله ان يرحمهم ورحمة الله لها مدلولات واسعة، ومن أصدق من الله قيلاً، ولهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة ـ تحديداً ـ في جنات عدن والأكبر من ذلك رضوان الله.

ومن رضي الله عنه فاز فوزاً عظيماً، وما عذاباتنا التي نلاقيها في حياتنا الدنيا الا محصلة لهذا التشرذم وهذا التمزق الذي نعيشه وهو نتاج طبيعي لتعطيل واجب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وهل ننتظر ممن لا يؤدي واجبه ان تكون له حقوق يطالب بها؟

يقول الدكتور محمد محمود حجازي: «هذه هي الموازين الحقيقية للإيمان وجزائه، فلننظر إلى أنفسنا في أي مكان هي لنحاسبها قبل ان تحاسب» ويقول الدكتور القرضاوي: «التكاليف في الإسلام تقوم على الواجبات والحقوق.