التطفل أمر سيئ بغيض. وهناك بعض من يتطفلون على الآخرين في الولائم أو الحفلات أو الأعراس. ويكون في هذه الأمسيات نصيب وافر لهذا الأمر.
ومن ذلك ما رواه البعض في إحدى الأمسيات الرمضانية أخذاً مما رواه صاحب المستجاد والفرج عند الشدة وغيرهما بسندهم عن عبد الرحمن بن عمر الفهري، أن الخليفة العباسي عبد الله المأمون رُفِع له أن جماعة من سفهاء الناس تعاطوا الزندقة علنا لا يتسترون، فأمر بامتحانهم ووكل بذلك من يوثق بهم فثبتت عليهم التهمة وأبَوْا التوبة، فأمر الخليفة بإرسالهم إليه.
وقام رجال الشرط فقبضوا عليهم وكانوا عشرة رجال. وفي طريقهم إلى الساحل لترحيلهم إلى بغداد ، تصادف أن رجلا طُفَيْليًّا كان يمر فرآهم مجتمعين، فظن أن الأمر فيه دعوة عشاء أو وليمة عرس. فسارع حتى ارتدى أحسن ما عنده، وعاد إليهم فوجدهم ما زالوا مجتمعين حتى يتكامل عددهم، فجعل يجاهد حتى اندس بينهم، وهو لا يعرف أحدا منهم..
ولم يلبث الجميع بعد أن تكامل عددهم أن اقتيدوا إلى زورق، فاستبشر الطفيليّ وظن أنها نزهة نهرية، إلاّ أنهم بمجرد ركوبهم جيء بالقيود والأغلال فقُيِّدوا، وقُيِّد هو معهم عنوة، ولم يفلح له عذر، فعلم أنه وقع في شر أعماله، ولم يكن له إلى الخلاص سبيل قط، بل ولم يلتفت أحد إلى كلامه وإنكاره الصلة بمن معه.
ولما وصلوا إلى بغداد حيث مقر الخلافة وأدخلوا إلى الخليفة، وكان يجلس معه عمه إبرهيم بن المهدي، (وابرهيم بن المهدي كان قد خرج قبل ذلك على المأمون وتسمى بالخلافة نحو ثلاث سنوات حتى قبض عليه ولكن المأمون عفا عنه.
وكان إبرهيم جميل الصوت شاعرا) فنودي الزنادقة بأسمائهم واحدا واحدا، فكان يستتيبهم فمن أعلن توبته أمر بإخلاء سبيله ومن أقرّ وأصرّ أمر بعقابه. فلما انتهوا بقي الطفيلي، فعجب الخليفة وقال للحرس: من هذا ؟ قالوا والله ما ندري وإنما وجدناه ضمن هؤلاء.
فقال له المأمون: ما قصّتك، ويلَك!
قال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق، إن كان يعرف من أقوالهم وحديثهم شيئا أو يعرف واحدا منهم، وإنما رآهم مجتمعين فظن أنهم مدعوون إلى عرس فاندس فيهم.
قال المأمون: أبلغ التطفيل من الشؤم أن أحلّ صاحبه هذا الموضع. لقد سلم هذا الجاهل من الموت، ولكن يؤدب حتى لا يعود لمثل هذا. وهمَّ أن يأمر بعقابه لولا أن تدخل إبرهيم بن المهدي فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذا الطفيلي، وأنا أقصّ عليك حديثا عن نفسي في التطفيل سيعجبك كثيرا.
قال المأمون: قد وهبته لك، فهاتِ حديثَك.
أما قصة إبرهيم بن المهدي فسوف نذكرها في أمسية الغد إن شاء الله تعالى.