كثيراً ما تأملت في وجه الشبه بين معنيي «الثور» و«الثورة» لأن الثور كائن ثقيل وحركته مزعجة ونزقه سمج، وهو كثيراً ما يؤذي من هو أمامه أو حوله إن ثار وغضب، مع غباء وحماقة منقطعي النظير.

وقد وجدت الدعوة الإسلامية والرسول الأعظم في ظروف بالغة الظلم والفوقية والتمييز، ومع ذلك مرت الدعوة الإسلامية بثلاث سنوات من الدعوة السرية، وعشر سنوات من الدعوة الجهرية في مكة، حيث تتحكم فئة قليلة في مصائر الناس، وحيث الربا يحول الناس إلى عبيد، وحيث الرق وأسواق النخاسة.

وحيث الغزو وانتهاك الحرمات والأعراض لا يجد من يقف في وجهه... لم يثر المسلمون الأوائل وفيهم رجال كحمزة بن عبدالمطلب وعمر بن الخطاب وهما ذوو بأس شديد وحيث الارقاء والعبيد لا يملكون شيئاً يخافون عليه حتى حياتهم المليئة بالمشاق والذل، وكان كل هم النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلح القلوب وأن يرقى بالضمائر وأن يرسي دعائم العدالة قالباً الأوضاع والأحوال على الأسياد المنتفعين دون سفك نقطة دم واحدة.

وتأملوا معي الثورات التي حدثت في العصور الوسطى وفي العصر الحديث وفي القرن العشرين في الشرق والغرب، ستجدون أن أكثرها كان شبيهاً بنزق الثيران وعجز عن تقديم البدائل الأكثر عدالة وأخلاقية، ومع أحقاد وبغض يدوم عشرات من السنين ويقود إلى متواليات من ردود الأفعال الانتقامية التي لا تنتهي، فضلاً عن الأرواح التي تزهق والدماء التي تسفك في ضوء غايات يراها أصحابها وجيهة تقود إليها وسائل لا يدققون كثيراً في أخلاقيتها.

«الثورجيون» رجال يعرفون كيف يمتطون هامات العامة للوصول إلى غاياتهم الشخصية والطبقية، وهم أقدر من يدغدغون أحلام البسطاء ثم يضعونهم في مقدمة الصفوف ليموت منهم من يموت ويصاب منهم من يصاب، حتى إذا استقرت الأمور في أيديهم صحا العامة من غفوتهم وأحلامهم الجميلة وتساءلوا لماذا أقدمنا على ما فعلنا ولم يتغير من الأمور شيء.

و«الثورجيون» هم أبرع الناس كلاماً وأقلهم فعلاً وإقداماً... فهم يلهبون الأرض تحت أقدام العامة حتى يسكر هؤلاء الآخرون ولا يعلمون على ماذا يقدمون... فإذا وصلوا إلى ما يبتغون استمروا في معسول كلامهم عن قيمة الثورة وضرورة الثورة وخلود قيم الثورة، لأن الثورة يجب أن تستمر ولو لم يوجد ما يثار عليه، و«إلا فقد الثورجيون» مبررات وجودهم وتميزهم كطلائع ونخب للثورة التي لا تنتهي.

و«الثورجيون» مغرمون ومبدعون في الإساءة إلى قيم المجتمعات التي يعيشون فيها وأديانها ومقدساتها، وقد وجد في التاريخ الإسلامي من انتزع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى مكان آخر، ومن حلل العلاقات الجنسية الشاذة وحلل زواج الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى، ومن أساء إلى المصاحف وإلى كثيرين من رجال السلف الصالح، ومن سرق وقتل وانتهك الأعراض وكل ذلك من ضرورات الثورة ومن أجل الفقراء والمسحوقين.

ذبح كثيرون من المسلمين وهجروا من بلادهم باسم الثورة في عشرينات القرن الماضي، وأغلقت مساجد وأتلفت مصاحف ولوحق معلمون وحورب التعليم الديني باسم الثورة. وانتزع الحجاب وبررت الفوضى الجنسية واعتدي على الأعراض باسم الثورة.... ونصبت أصنام وعبد أشخاص على أرضية من الإلحاد باسم الثورة.

و«الثورجيون» لا يعرفون كيف يصلحون ويبنون إذا لم يهدم كل شيء ويفنى كل شيء ويسحق ويقتل آلاف من البشر، فهم لا يعترفون بأي حسنة في الأوضاع التي يثورون عليها، فبدايتهم من الصفر وقبلهم لا تاريخ ولا أفكار ولا أديان تستحق الاحترام أو البقاء في أسوأ الأحوال.

و«الثورجيون» بعد أن تستقر الأمور في أيديهم يفتحون معتقلات للسجن والتعذيب والسحق والقتل لكل أعداء الثورة أو من يظن أنهم من أعداء الثورة.... وكثيراً ما سيق مفكرون وكتّاب وعلماء ومعلمون إلى السجون ليعبث بهم جنود الثورة دون أدنى احترام لمواهبهم وقدرهم أو حتى لبشريتهم وإنسانيتهم.

الثورة عند «الثورجيين» ليست وضعاً مؤقتاً لإصلاح الأمور على هواهم، بل هي وضع يجب أن يمط عقوداً لتصبح البلاد مزارع لهم والعباد رقيقاً عندهم، وهم عادة ممن لا يحسنون التفكير ولا يقبلون الحوار، كيف لا والتاريخ كله يبدأ بهم والبشرية لم تبلغ نضجها إلا باستيلائهم على الأوضاع والأمور.

وكالعادة لا يعجز «الثورجيون» عن وجود من يطبل ويزمر لهم، حتى إن واعظاً من وعاظ الثورجيين خطب يوماً في مناسبة دينية أمام زعيم الثورة فقال إن جميع المبدعين والمفكرين والأبطال والفاتحين والأنبياء والمرسلين لم يكونوا إلا إرهاصاً يبشر بقدوم الزعيم، فلما نزل من على منبره وجاء مسلماً على سيده قال له الزعيم: «زودتها اليوم.... ليس إلى هذا الحد».

إن من شر البلية الذي يضحك ويبكي معاً أن بلاداً من العرب والمسلمين ما تزال تعيش بعقلية الثورة وما يزال قطيع الثيران الهائج يهلك الزرع والضرع وليحيا الزعيم.