أوحى الله تعالى إلى ذي القرنين: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي من المعروف، وسأجعل له علماً.... فمن رأيته حببت إليه المعروف واصطناعه، وحببت إلى الناس الطلب إليه، فأحبه، وتوله؛ فإني أُحبه وأتولاه.

ومن رأيتهُ كرهتُ إليه المعروف، وبغضت إلى الناس الطلب منه، فابغضهُ، ولا تتوله ؛ فإنه من شر من خلقت (رواه الديلمي عن بكر بن عبد الله المزنى (رضي الله عنهما).

كثيراً ما نسمع كلمة المعروف فما هو المعروف؟ أصل الكلمة في اللغة من الفعل: عَرَف يَعرِف، ويُقال: فلان معروف أي عَرَفه الناس فسُمي المعروف معروفاً لأنه قد عُرِف حُسنه بالشرع والعقل... والمنكر عكس المعروف وهو ما ينكره الشرع والعقل.

و«ذى القرنين» الذي جاء ذكره في سورة الكهف كان من أهل المعروف، وقد اختلف الناس في أمره، هل هو رسول؟! أم هو نبي؟!

أم هو عبد صالح مكنه الله في الدنيا، وأعطاه الله من الأسباب ما يستطيع معها أن يسيطر على الأرض وأهلها..؟ وقد رجح العلماء القول الثالث، والحديث المذكور يكاد يكون هو الوحيد الذي ذُكر فيه اسم «ذي القرنين» حيث أوحى الله به إليه، لأنه كان من أشد الناس معروفا، وإحسانا.

حيث قال له القوم: ابن لنا سدا، لأن (يأجوج ومأجوج) ـ وهما مخلوقان ضخمان يسلطهما الله على الأرض فيأكلون كل ما فيها ويفسدون فيها ، وقالوا له نعطيك ما تطلب من المال فرفض وقال: ـ «ما مكني فيه ربي خير» فهو يصنع ما يصنع من المعروف لوجه الله تعالى لا لانتظار الأجر من الناس.

وما من نبي أو رسول إلا وقال «وما أسألكم عليه من أجر إنّ أجري إلا على رب العالمين».

ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: ـ «إن لله خلقاً خلقهم لحوائِج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك آمنون من عذاب الله».

وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة أي أصحاب الشفاعة.. وتجدهم في خدمة الناس وتجدهم يؤثرون الناس على أنفسِهِم وتجدهم يُصلحون بين الناس ، كل ذلك لإسعاد الآخرين ولهذا خلقهم الله تعالى ، وساق إليهم طُلاب المعروف، بل يُجري على أيديهم الخير.

فثمرة الإيثار تكون الفلاح والنجاح والفوز برضوان الله تعالى كما قال تعالى:

« وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»

أي يقدمون حاجة الناس على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إليها وكان الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه.

وستر المسلم من المعروف فإذا رأيت مسلماً علي منكر فلا تفضحه وإن استطعت النصيحة فانصحه على أن لا تكون في العلن فالنصيحة في العلن فضيحة وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:ـ

* المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره.

* ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة فالمعروف أمره يسير يمكن عمله بسهولة فلا يغفل عنه الله تعالي أبداً وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:- «مَر رجل في طريقه على غصن شوك فأخره، فشكر الله له، فغفر له»

ـ وعن رجل أنه مر ببئر فوجد كلباً يأكل الطين من العطش فنزل فملأ خُفه ماءً فسقى الكلب فماذا كان جزاؤه ؟! شكر الله تعالى له وغفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر.

وقال الله تعالي في كتابه الكريم عن المعروف:

«لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» النساء114

إما أن كلاً ينصح الآخر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها كالنصيحة وغيرها بشرط النية الصادقة المخلصة لوجه الله تعالى فله أجر عظيم عند الله تعالي.

وقال صلى الله عليه وسلم:

* كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخا لك بوجه طلق

* المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله

وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته ومن شرط المعروف ترك الامتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر.

فاللهم اجعلنا من أهل المعروف..

واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك

ونعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك ،وفجأة نقمتك، وجميع سخطك .