«ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء».
هذه الآية اشتملت على ثلاثة أصول من أصول الاجتماع:
الأصل الأول في قوله تعالى «ياأيها الناس» ففي هذا النداء العام توجيه إلى مبدأ المساواة في البشرية، إذ يستوي هنا الرجل والمرأة، والحر والعبد، والملك والسوقة، وذوو اللون الأبيض وغير الأبيض، فليس في البشرية فاضل ولا مفضول، ولا سيد ولامسود، حتى الأنبياء أنفسهم الذين فضلهم الله على خلقه بمميزات أخرى وفضل بعضهم على بعض لم يزعموا لأنفسهم من هذا «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما الهكم اله واحد» «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً».
الأصل الثاني في قوله تعالى «اتقوا ربكم» فذلك تكليف علوي بتقوى الله، وتوجيه إلى أنه رب الجميع وحده، وإنما عباده مربوبون له دون سواه، فلم يكن ولن يكون مع الله اله آخر، وليس هناك من هو ابن الله، ولا من هم أبناء الله وأحباؤه «سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا» «لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد».
الأصل الثالث في قوله عز وجل شأنه «الذي خلقكم من نفس واحدة» فهذا توثيق للإخاء الإنساني، بين الناس عامة، دون تأثر بعصبيات جنسية أو إقليمية أو دينية، إذ الجميع من آدم والعصبيات ليست في حساب الإسلام إلا عند الحاجة إليها، ثم تزول بزوالها.
ولذلك اختار الله أن يدعونا لأبينا في كثير من ندائه لنا «يا بني آدم لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة» «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد».
وبهذا أمرنا أن نتداعى فيما بيننا «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله».
ثم تأتي الآية بعد هذه الأصول بما يؤكدها، في قوله تعالى «وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء» فهنا ذكر للأم التي تفرعت من آدم، وانحدرنا منهما بعد، فهي أم لنا، وأخت من أبينا وذلك أقوى ما يمكن من الصلة وأدعى ما يكون إلى المودة.
ولعل إيثار الأب في النداء قوبل بإيثار الأم في البر والوفاء، لما لها من أخوة وأمومة، وما لها على البنين من حقوق لا يبلغها جزاء.
على هذه الأصول الثلاثة: المساواة في البشرية، وفى العبودية لله وحده، وفى الأخوة النسبية، وإن تشعبت أطرافها، ينبغي أن تقوم الحياة الاجتماعية بين أبناء هذه الدنيا. فإن لم تكن قائمة فإنه يجب أن تقوم، وإلا عاش الناس في شقاق، وفاتهم من الحظ شيء كثير.
لذلك أكد الله دعوته إلى الأخذ بالأصول الثلاثة في قوله ثانياً: «اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً».
وبعد هذه الآية نرى الآيات التالية من الخمس والعشرين تسير سيراً رتيباً في ذكر طائفة من الأحكام المهمة التي تنظم بها الحياة المادية للناس وتتوافر بها الروابط، ويسود في الأسر والمجتمع هدوء واستقرار، ففيها أمر بإيتاء اليتامى أموالهم دون طمع فيها أو تبديد لشيء منها، وفيها أمر بإيتاء النساء مهورهن كاملة دون إكراه على شيء من حقوقهن، وفيها حث على صيانة الأموال من السفه والسفهاء.
وعلى مراعاة المجاملة عند قسم التركات التي تتعلق بها الأنظار بالنسبة للأقربين الفقراء الذين لا يرثون، وبالنسبة للمساكين واليتامى والمحتاجين فنعطيهم شيئاً مما يدفع حاجتهم، كالنقود والكسوة والحبوب، وفيها توزيع التركات بين الوارثين على ما بين الله، حتى لا يتغلب رجل على امرأة، ولا كبير على صغير.
ولا قوي على ضعيف، وفيها بيان العقوبات للمعتدين على الأعراض، وبيان التوبة المقبولة، وغير المقبولة وفيها أمر شديد، وتوجيه أكيد إلى حسن المعاشرة للزوجات، والتجاوز عن أسباب النفور إلى أن قال سبحانه «يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم». سيقت الآية بعد ما تقدم كله، لبيان الحكمة منه، وفيما يحاكيه من التشريع، وفى الآية مراحل ثلاث:
الأولى: ليبين لكم الحلال والحرام، والخير والشر، حتى يهتدي المرء إلى ما ينفعه وما يضره، فيجنح بعقله إلى دعوة ربه، وينهى عن مخالفته.
والثانية: «يهديكم سنن الذين من قبلكم» والهداية إلى سنن من قبلنا هي إعلامنا بما كان من أهل الحق في طاعته، وإلى ما يستحقون في دنياهم من مزيد التوفيق، وفى أخراهم من نعيم مقيم وإلى ما يستحقه المنحرفون عن دعوة الله، من تركهم على غيهم في دنياهم، وما أعد لهم في أخراهم من عذاب أليم.
والثالثة: «ويتوب عليكم» وهذه دعوة إلى التوبة قبل فواتها وبيان الأحكام وهدايتها إلى سنن من كانوا قبلنا، ودعوتنا إلى التوبة، تمهيداً للعقل أن يفقه، وللمرء أن يختار أي الجانبين، ثم هو بعد ذلك مسؤول عما اختار «بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره» «كل امرئ بما كسب رهين».
وكان من حكمة الله أن يذكر التوبة في الموضع الثالث بعد ذكر البيان والهداية، وهذا أوانها، إذ التوبة بعد ذلك تكون عن بينة واقتناع وهذا توجيه الله لنفوس خلقها، ونظامه في دعوتها «والله عليم حكيم».
وإذا أصبح العبد على معرفة بما بين الله وعلى مسمع من دعوة الله فماذا يمنعه أن يستزيد من الصلة بالله، وإن كان في نفسه مهدياً، ثم ماذا يمنعه من التوبة إلى الله إن كان جاهلاً غوياً، بل وإن كان جباراً عصياً.
رب سائل يقول: إذا صح أن إعلامنا بما كان عليه أهل الحق يسمى هداية فإعلامنا بما كان عليه أهل الباطل كيف يسمى هداية؟
والجواب في نسق القرآن، فالهداية يراد منها التوفيق كما قال سبحانه «اهدنا الصراط المستقيم» ويراد منها الدلالة والبيان، كقوله تعالى: «فاتبعني أهدك صراطاً سوياً» يعنى اتبعني أدلك.
والهداية هنا من القبيل الثاني، وقد ذكرها القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى عن الإنسان «ألم نجعل له عينين. ولساناً وشفتين. وهديناه النجدين» يعنى بينا له سبيل الرشد وسبيل الغي، وكذا في قوله «إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً».
ومع أن التوبة تكون منا، وعن فعلنا نحن، فقد ذكرت مرتين مسندة إلى الله تعالى في قوله «ويتوب عليكم» وفى قوله «أن يتوب عليكم».
وجه ذلك أن التوبة الصادرة إلى العبد نوعان: توبة ظاهرة باللسان، لا تمنع العبد من معاودة الخطيئة، فيتوب وهو مصر على الذنب، وهذه لا يقبلها الله، بل تكون كالاستهزاء بالله، وهى غير مقبولة ولا تكفر بها الذنوب. وتوبة أخرى من وحى الضمير، خالصة من الرياء، مطوية على الندم، والعزم على عدم العودة، وهذه هي التوبة المقبولة كما وعد الله في قوله «إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم، وأنا التواب الرحيم».