عن جندب بن عبدالله التجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.رواه الإمام مسلم في صحيحه في باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين».
يبين الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يعلم السر وما أخفى فمن فعل شيء لله عوضه الله عز وجل بشيء أفضل ولذلك من خرج على الجاده في الأمر فدعا إلى عصبية وينصر عصبية وقتل تحت راية عمية فهي ليست خالصة لوجه الله لأنه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد في سبيل الله .
ومن قاتل لإعلاء كلمة الله فهو المجاهد الشهيد في سبيل الله ورضي الله عنه وارضاه لأن الروح ملك لله وليس للإنسان دخل فيها فهي من الله والى الله «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي» لقد قال الله ارجعي إلى ربك ولم يقل عودي إنما قال ارجعي أي ترجع إلى المكان الذي كانت فيه فهي من الله والى الله تعالى ومن كان كل همه الله نجا في الدنيا والآخرة، من اعتمد على علمه ضل، ومن اعتمد على عقله اختل، ومن اعتمد على جاهه ذل ومن اعتمد على الناس مل، ومن اعتمد على الله فلا ضل ولا ذل ولا مل ولا اختل.
كلمة عمية تعني عمياء لفظتها الغريبة توحي باستنكار الموقف واستعيرت لعدم استبانة الأمر، قال الشريف الرضي وانما حسن وصفها بالعمى وهو في الحقيقة للحرب لأن الراية علم لها ودليل عليها والحرب العمية هي المشبه التي لا يهتدي فيها إلى القصد ولا يتبين فيها وجه الرشد فهي كالعمياء التائهة والعشواء الخابطة.
كما تفيد لفظة (تحت) تجسيم السيطرة التامة للضلال واتسامه بالفوقية وهيمنته واستعلائه على الرقاب والمصائر والهيمنة على الرجال مما يعد من استكمال عناصر التصوير وقد وصفت الراية التي هي المشبه بالعمى وهي جزئية من الحرب الطائشة هنا فاكتسبت بوساطة الاستعارة معنى ضلال السبيل بتصورنا للأعمى التائه الذي يضل سبيله.
فكانت هذه الصورة الاستعارية بلونها الأسود واختزانها للمعاني القابضة على النفس خير معبر عن الفتنة التي هي مفتاح إلى الفناء وظلمة القبر والعدم.
وهي صورة لونية حالكة مناسبة للضياع النفسي والاضطراب الذاتي والجمعي فلاشك ان الإنسان يشفق على الأعمى الذي يضل السبيل فكيف إذا كان الأعمى قائدا؟ ومقدمة لمجموعة لا يعرفون مصيرهم مع هذا الدليل الضال أو تحته.
وفي هذا النص إضاءتان استعاريتان تشعان بحركة مغايرة وتعطي للنص دينامية إضافية راية عمية قتلة جاهلية كلاهما في حال النفي ويمثلان ركنين يمسكان بالنص من فاتحته وخاتمته وكلاهما يتضمن التشخيص الإنساني وان وجد العمى في بعض الحيوان والملامح في الاستعارة الأولى إنسانية فردية جسدية عمية.
وهي في الاستعارة الثانية ملامح إنسانية جمعية نفسانية جاهلية لأننا نتصور جماعة من الجاهلين الذين لا يؤمنون إلا بمبدأ القوة قبل الإسلام، ولا يسعنا عندما نقرأ جاهلة تعلو بالتصور نحو الدماغ ومن ثم فظهر علينا صور من سجلات الغزو الطيش والتسرع والهتك والتحجر.
وفي الاستعارة الأولى رأية عمية طرفان حسيان متلاحمان بالنعت، ترقى في الراية إلى حسية الإنسان أما الاستعارة الثانية، قتلة جاهلية، فالموت محسوس وظاهرة مرئية أما الجهل ففعل ذهني له تجليات وفي هذا صعود نحو المجرد كما ينبغي أن نذكر بالمجذوف «المونتاج» الذي جرى قبل «فقتلة جاهلية».
وذلك ليفيد سرعة الإخبار والصدمة بهذه الصورة فلاشك أن الأصل بوجود مبتدأ محذوف بمقدر. نسأل الله أن يكون العمل خالصاً لوجهه تعالى وأن يجزينا وإياكم خير الجزاء وصلى الله وسلم على البشير النذير.