فضيلة من مكارم الأخلاق، به تستقيم معايش الناس فهو أساسُ كل أمن وطريقُ كل عيش سعيد، وماءٌ زلالٌ لمن اكتوى بنار الظلم، ورغبةٌ وأمنيةٌ لمن يشكو الجور والبهتان.

يحسب له الظالمون ألف حساب لأنه يعيد الأمور إلى نِصَابها، وبه تُؤدَى الحقوق لأصحابها فهو ميزان الله تعالى في الكون، وهو هدف الرسالات السماوية كلها. يقول تعالى: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط».

فبالعدل أنزلت الكتب، وبعثت الرسل، «وبالعدل قامت السماوات والأرض»، وهو المعول الذي يُؤخذ به على يد الظالمين وتُسترد به حقوق المظلومين، ولولا عدل الله جل وعلا لقنط الضعفاء وتبلّدوا وما وجدوا لهم متنفساً أوملاذاً يلوذون به لذا سمّى الله ذاته العلية العدل (بصيغة المصدر لأنه مصدر العدل سبحانه) ليطمئن كل ضعيف امتدت إليه يدٌ باطشة ظالمة بالاعتداء أن حقه لن يضيع أبداً.

والمراد بالعدل: أن يعطى كل ذي حق حقه، بلا طغيان ولا إخسار ولا جور ولا بخس قال تعالى:«والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان».

والعدل سمة الأتقياء والصالحين لذا تحلى به الأنبياء امتثالاً لقوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بالقسط»، وامتلأت السيرة النبوية العطرة بمواقف يتجلى فيها العدل بأروع صوره، فعن أبي سعيد الخدري قال :«بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا، أقبل رجل فأكبّ عليه، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه، فخرج الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعال فاستقد، قال :

بل قد عفوت يا رسول الله» رواه النسائي. وحين أراد بشير بن سعد الأنصاري أن يشهده - عليه الصلاة والسلام - على هبة معينة آثر بها بعض أولاده، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم :«أكل أولادك أعطيتهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «أشهد على ذلك غيري، فإني لا أشهد على جور»رواه مسلم والنسائي وأحمد.

ولا يجوز أن تتحكم الأهواء في العدل فيضيع بين نسيم الحب ورياح البغض قال تعالى :«ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا» أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل «اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» ويقول تعالى:

«وأقسطوا إن الله يحب المقسطين»، والمقسطون هم العادلون وهم من أحباب الله وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا»رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم :

«أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال» رواه مسلم في صحيحه، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.

وعلى الجانب الآخر نجد الوعيد للظالمين فيقول تعالى «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» القاسطون هم الجائرون وهم من حطب جهنم. ويأتي الظلم بالظلام والسواد على صاحبه يوم القيامة إذ قال النبي عليه الصلاة والسلام :«الظلم ظلمات يوم القيامة» وليدرك كل ظالم أنه لا شفيع له ولا نصير في ذلك اليوم العصيب «ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع».

وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل كما قال النبي :«إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» فلا تأمن مكر الله إن ظلمت قال تعالى :«ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون»، فإن لم يعجل الله العقاب فاعلم أن ذلك استدراج وسيُضاعف لك العذاب ولتتق دعوة المظلوم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ:

«واتقِ دعوةَ المظلوم، فليس بينها وبين الله حجاب» راه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم:«دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» رواه أحمد والترمذي.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخره يأتيك بالندمِ

نامت عيونك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

وليكن لنا في النبي الأسوة والقدوة في العدل فكان صلى الله عليه وسلم لا يرضى تعطيل حدود الله، التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس، ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه، ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة، وقال مقالته المشهورة :«أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» رواه البخاري و مسلم.

فإذا أردنا أن يعم الخير فالعدل هو السبيل وليس أدل على صحة ذلك من سيرة عمر بن عبدالعزيز الذي ملأ الأرض عدلاً بعد ضجيجها بالجور فساد الرخاء ومما يُروى عنه أنه كتب بعض عماله يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالاً يرممها به فكتب إليه عمر يقول:«قد فهمتُ كتابك فإذا قرأت كتابي هذا فحصِّنْ مدينتك بالعدل، ونقِّ طرقها من الظلم فإنه يرممها»، فهلا نقّى ولاة الأمور البلاد، وهلا اتقينا الله جميعنا وكنا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين.