في مواجهة الطرح الذي قدمه هنتنجتون حول صدام الحضارات، فإن هناك بعض الأصوات في الغرب والتي يتسم موقفها من الإسلام بالاعتدال خرجت تفند هذه النظرية، بل وتقدم رؤى أخرى بديلة لجهة التقارب بين العالم الإسلامي والغرب وتجاوز مرحلة العداء التي يعمل الكثيرون على تأجيجها.

وإذا كان هناك في عالمنا العربي والإسلامي من طرح مفهوما مضادا للصدام هو حوار الحضارات، فقد قدم المفكر الأميركي ريتشارد بوليت مقولة الحضارة الإسلامية المسيحية في كتاب له حمل هذا العنوان ترجم مؤخراً إلى العربية.

ورغم أن التعبير قد يبدو لأول وهلة يحمل تناقضا غير مقصود إلا أن صاحبه يؤكد على أن لا تناقض في مكونات المفهوم ويقدم رؤية واسعة بشأن تأصيله. ولإدراكه غرابة المفهوم يشير بوليت إلى أنه على ما يعلم - وهو على صواب إلى حد كبير ـ فإن الكثيرين من المسلمين والمسيحيين قد يصعقهم مجرد سماع الفكرة التي تتضمنها هذه العبارة.

وفي هذا الخصوص يرى بوليت في تفنيده لنظرية هنتنجتون أن استخدام الغرب لإصطلاح الحضارة اليهودية المسيحية كمرادف للحضارة الغربية يبين عدم قدرية التاريخ وعدم ثباته إذا طالما اصطدم الطرفان المسيحي واليهودي في الماضي وصولا إلى المحرقة التي يتحدث عنها اليهود في أواسط القرن العشرين.

ويقدم بوليت مثالاً آخر يدعو الغرب إلى أخذ العظة منه ألا وهو انضمام روسيا إلى أوروبا بعد سقوط الإتحاد السوفييتي ما يدعو إلى المقارنة. وعلى هذا الأساس يرى أن مقومات التوافق بين الإسلام والمسيحية كبيرة إلى الحد الذي يمكن معه أن يشكلا إطارا حضاريا واحدا مؤكدا ان الديانتين شكلا بالفعل حضارة واحدة من الناحية الاجتماعية لا من الناحيتين السياسية أو العسكرية فكانا توأمين متشابهين تشابه أي توأمين، فكانت هناك حضارة إسلامية مسيحية مثلما أصبح هناك بعد الصراعات الدموية بين المسيحية واليهودية حضارة مسيحية يهودية يشير إليها الغرب في كل مناسبة .

وقد ظل الأمر كذلك حتى بداية القرن السادس عشر حين بدا واضحا تفوق الحضارة الأوروبية ثم الأورو ـ أميركية المؤمنة بالمسيحية على حضارات العالم كافة ومن ضمنها حضارة العالم الإسلامي وما تبع ذلك من تاريخ تسلط واستعمار حديثين.

المهم أن هذه الرؤية ترى أن في جوهر طبيعة الديانتين ما يجمع أكثر بكثير مما يفرق فماضي الغرب لا يمكن فهمه بصورة كاملة من دون تقدير العلاقة التوأمية التي ربطته بالإسلام أربعة عشر قرنا، والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي.

وفي تأكيد على صحة رؤيته يشير بوليت إلى المساهمات ا لضخمة التي قدمها المفكرون المسلمون للفكر الفلسفي والعلمي القروسطي الذي استخدمه الأوروبيون المسيحيون واليهود فيما بعد لنشوء الغرب المتطور. فضلا عن ذلك فإنه رغم وجود فترات احتكاك بين الإسلام والغرب وعلى الرغم من فترات الحروب أقام التجار الأوروبيون عبر قرون علاقات تجارية حية مع المسلمين على الشواطئ الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط.

أما من الناحية السياسية فإن أربع عشرة دولة أوروبية، حسبما يذكر، من أصل أربع وثلاثين كانت لوقت أو لآخر تحت سيطرة المسلمين لحقبة تمتد إلى قرن أو أكثر.

ومن هنا فإن بوليت يرى أن إصرار الغرب على إيجاد فوارق عميقة بين الغرب والإسلام فيما يسميه هنتنجتون بالاختلافات الحضارية يعيد إحياء شعور هو غاية في القدم.

بغض النظر عن حجم الاختلاف أو الاتفاق مع رؤية بوليت، إلا أنها تقدم لنا جانبا آخر من الصورة، وتشير إلى نوع من التنوع في الغرب بشأن الموقف من الإسلام، وهو الأمر الذي ينبغي العمل على تعزيز الوعي به في عالمنا الإسلامي حتى نحسن التعامل مع التحدي الذي تفرضه علاقتنا مع هذا الغرب الذي شئنا أم أبينا يبقى قدرنا التعامل معه، وهو الأمر الذي يحقق في الوقت ذاته هدف تحسين فهمنا للغرب.

مصطفى عبد الرازق