القدس مدينة عربية مقولة يقرها التاريخ ويعلمها كل يهود العالم، ورغم ذلك تسعى وسائل الإعلام الإسرائيلية لشن هجمات مسعورة للنيل من عروبة هذه المدينة، لكي ترسخ بأذهان العالم كله كذبا وتدليسا أن دولة يهودية كانت بالقدس منذ قرابة 2000 عام وبداخلها هيكل سليمان،لكن الإمبراطورية الرومانية دمرتها عن آخرها.
وأن العرب استغلوا الفرصة وجاءوا إلى القدس وأسسوا مدينتهم الكائنة حاليا بمسجدها الأقصى الذي بني على أنقاض معبد سليمان، ومن ثم يحق لليهود أن يستعيدوا ما سلب منهم بتهويد القدس وإعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى، وهذا ما حدا ببعض الجماعات اليهودية المتطرفة المدعومة رسميا بالسعي وراء تحقيق الهدف رغبة في القضاء على أحد رموز الوحدة الإسلامية والاستيلاء على مدينة عريقة في تاريخ الإسلام .وبالفعل تجلت هذه المخططات المتطرفة في الإعلان عن البدء في بناء الهيكل على مقربة أمتار من بهو المسجد الأقصى انتظارا لرد الفعل الإسلامي، ثم السعي في استكمال المخطط.
أمور تخالف الحقائق
هكذا كتب أحد أهم أساتذة الآثار في جامعة تل أبيب د. رئيف هيرتزوج في صحيفة هارتس الإسرائيلية قائلا: إنه بعد سبعين عاما من البحث والحفريات المكثفة في إسرائيل توصل العلماء لنتيجة تؤكد أن حكايات الآباء مجرد أساطير ولا يوجد شيء على الإطلاق.
ورغم ذلك يصر اليهود على تكملة المسيرة ربما لما وجدوه من ردود أفعال ضعيفة صادرة عن بلدان العالم الإسلامي، فوجدوا أن السعي لإدراك الهدف الاستعماري الذي حدده أول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بن جوريون عندما قال قولته المشهورة: لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل.
وحول تفاصيل المخططات الصهيونية للنيل من عروبة القدس، وكذب ما يعتمدون عليه من أساطير، تبحث «وكالة الصحافة العربية» مع المتخصصين في تاريخ مدينة القدس هذه المزاعم، وما يجب على البلاد الإسلامية أن تفعل لوقف هذه المخططات، التي تهدد القدس العتيقة وما تحويه من مقدسات إسلامية ومسيحية.
د. عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر يشير إلى أن هذا الهيكل لا أساس له ولا وجود له في الحقيقة، إلا أن الحركة الصهيونية المتطرفة تهدف من وراء ادعاءاتها إضفاء الشرعية على احتلال القدس والأقصى وتكريس الاحتلال على الأماكن المقدسة مسيحية وإسلامية، لإزالة هذه المقدسات وتخريبها، فقد صرح تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية قبل تأسيس الكيان الصهيوني بستة وخمسين عامًا بقوله:
إذا حصلنا يومًا على القدس وكنت لا أزال حيًا وقادرًا على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسًا لدى اليهود فيها وسوف أحرق الآثار التي مر عليها قرون.
ويؤكد أن إسرائيل تعد اليوم مخططًا عنصريًا بحق وذلك لتشجيعها مجموعات يهودية متزمتة من أجل تهديم وقصف الأقصى ومنع لجنة الأوقاف المشرفة عليه من إجراء أية ترميمات لازمة أو صيانة للحرم القدسي الشريف، وسلطات الاحتلال هي المسؤولة اليوم عن انهيار أحد جدران الأقصى المبارك الواقع قرب المتحف الإسلامي والذي جاء جراء سياسة الشر والظلم المتبعة ضد الفلسطينيين والأقصى بشكل خاص، وما زال المحتلون الغزاة ينقبون في أرجاء منطقة الحرم كلها وما حوله دون جدوى.
واعترف الإسرائيليون بإخفاقهم في العثور على أي أثر لهذا الهيكل، وإنما أزالوا التراب وهم ينقبون عن الآثار الأموية والعباسية الموجودة في محيط الأقصى وتحت أساسه، فالصهيونية أطلقت تسمية حائط المبكى على حائط البراق الشريف متجاوزة الحقائق التاريخية ومتعدية على الحق القومي في فلسطين.
وللحقيقة فإن قصة حائط المبكى قصة ابتدعها زعماء الصهيونية حديثًا لربط اليهود من جميع أنحاء العالم بأي أثر مقدس لهم في فلسطين، لإثارة مكامن الشعور فيه بغية تجميعهم لإعادة بناء هيكل سليمان مكان الأقصى، وزعموا أن هذا الجزء من حائط البراق الشريف هو في الأصل جزء باق من هيكل سليمان ويجب الكشف عنه والحاقة بالممتلكات الدينية اليهودية.
ويضيف د. عبد المقصود أن الدلائل الواقعية توضح أن قضية حائط المبكى هي قضية مستحدثة بدليل أن الموسوعة اليهودية التي نشرت عام 1901 لم تشر من قريب أو من بعيد إلى أي مادة تتعلق بالحائط المذكور مع اسمه اليهودي حائط المبكى، بينما تلك التي نشرت عام 1939 تضمنت مادة تتعلق بالحائط مع اسمه اليهودي وعلى أنه من بقايا هيكل سليمان.
وحين اشتد ساعد اليهود في فلسطين العربية بدعم من القوي الاستعمارية أخذوا يتقربون من الحائط لإضفاء الصفة اليهودية عليه وتغيير وضعه التاريخي وصفاته الإسلامية، فبدأوا يتسللون إليه ويضعون حوله الستائر ويضيئونه بالمصابيح ويتجمهرون حوله أيام السبت مما أثار حفيظة المواطنين العرب ضد المحاولات اليهودية الرامية إلى إقرار حقوق ثابتة لهم في حائط البراق الشريف.
أصل الحكاية
المفكر الإسلامي فهمي هويدي يكشف تفاصيل أسطورة الهيكل الذي وضع متطرفون يهود حجر الأساس له قائلا: إن الأسطورة الصهيونية تروي أن هيكل سليمان قد دمره الرومان في عام سبعين بعد الميلاد، وأنه لن يبنى على الأرض وإنما سيهبط من السماء كامل الأوصاف وبه كل التجهيزات حتى الذبائح وملابس الكهنة، تلك الكذبة التي يضمها «سفر الخروج».
وبعد سقوط القدس في يد الصهاينة عام 67 ارتفعت دعوات المتطرفين من حاخامات اليهود تنادي بإعادة بناء الهيكل الثالث، دون الانتظار لهبوطه من السماء، تلك النظرية التي أطلقوا عليها (إعمال يد الله)، فإذا ما نفذوا مخططهم بنسف الأقصى لاعادة بناء الهيكل وثار المسلمون للانتقام منهم، لا يكون أمام الرب خيار آخر غير الدفاع عن شعبه المختار وبذلك - كما يقولون - يكونون قد ورطوا الرب في الدفاع عنهم. ويضيف هويدي أن هدم الأقصى وبناء الهيكل الثالث تحول في نظر اليهود إلى تكليف وأمر إلهيين.
وهناك ما يقرب من خمس عشرة منظمة صهيونية متطرفة تنتشر في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تعمل لاتمام هذه المهمة، وكان أحياء الهيكل لا يتجاوز عددهم العشرات من النشطاء الموزعين على منظمات ليس لها نفوذ إلا أنه في السنوات الخمس الأخيرة تنامى دورها في الحياة السياسية تزايدًا كبيرًا، كما تنامى التعاطف الجماهيري الصهيوني مع فكرة تدمير الأقصى وقبة الصخرة.
وأننا لا نستطيع أن نطالب الفلسطينيين بأكثر مما يفعلون، لكن الذي نطالب به هو ماذا سيفعل الرب، فحينما احترق جزء من المسجد الأقصى عام 69 هبت الأمة الإسلامية واجتمع قادتها في الرباط، لكن في عام 2001 فشلوا في الدعوة إلى قمة طارئة ينظرون فيها ما يجري على أرض فلسطين وممارسة ضغوط قوية لارغام العالم على الوقوف في وجه إسرائيل.
جمعية حراسة الأقصى
د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف وصف المزاعم التي تدعي أن بقايا هيكل يهودي توجد تحت المسجد الأقصى في القدس بأنها مزاعم كاذبة وتهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي، و بالغة الخطورة إذ قد تؤدي لعواقب وخيمة لأن المسلمين لن يتخلوا أبدًا عن المسجد الأقصى بوابة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء، مطالبا المتطرفين الصهاينة بالابتعاد عن المقدسات الإسلامية وأن يكفوا عن التطاول على معتقدات الآخرين.
ويضيف الإمام الأكبر أن الهيكل عند اليهود هو بيت الإله ومكان العبادة المقدس، وطوال الفترة بين عهد النبي موسى إلى عهد النبي سليمان عليهما السلام لم يكن لليهود مكان عبادة مقدس ثابت.
وكانت لوحات الوصايا العشر توضع في تابوت أطلق عليه (تابوت العهد) ولم يثر اليهود موضوع البحث عن هيكل سليمان وإعادة بنائه إلا في القرن التاسع عشر في ظل البحث عن مزاعم تاريخية لليهود في فلسطين وإصدار وعد بلفور الشهير والبدء في إقامة دولة قومية لهم على الأراضي الفلسطينية.
وواصل اليهود مزاعمهم وحدثت ثورة شعبية عارمة في عام 1929 أسفرت عن جمعية «حراسة المسجد الأقصى»، وشكلت عصبة الأمم لجنة دولية للتحقيق أثبتت أن حائط المبكى والأماكن التي ادعى اليهود أن بقايا الهيكل بها ملك للمسلمين.
ويوضح د. عبد الوهاب المسيري الاستاذ بجامعة عين شمس أن الفترة الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا في نشاط المنظمات الصهيونية التي تدعو لبناء الهيكل الثالث، كما شهدت تنسيقا فيما بينهم لدرجة أن حاخامات بني صهيون قد غيروا في التشريعات الدينية التي تحويها كتبهم من أجل بناء هذا الهيكل المزعوم.
فقد حرمت الكتب اليهودية عليهم دخول جبل الهيكل خوفا من أن تطأ أقدامهم «قدس الأقداس»، إلا أن حاخامات منظمة «بيشا» قد أصدروا فتوى وقع عليها عدد من الحاخامات تسمح بدخول جبل الهيكل على أن يذهب كل حاخام بنفسه ويرشد أفراد طائفته إلى كيفية دخول المنطقة، تلك الفتوى التفصيلية إحدى خطوات (صهينة اليهودية) لنتفق مع الرؤية الصهيونية، فالأرثوذكسية اليهودية التقليدية تحرم عودة اليهود إلى فلسطين وتعتبر من يفعل ذلك كافرًا ويرتكب الهرطقة والخطيئة أو التعجيل بالنهاية.
القاهرة ـ رمضان أبو إسماعيل:

