أكد د.محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن المؤسسات الدينية في العالم العربي باتت مطالبة بتفعيل تواجدها على الساحة الإسلامية أكثر من ذي قبل ، ويأتي على رأس هذه المؤسسات منظمة المؤتمر الإسلامي، وكذلك المراكز الإسلامية الموجودة في الدول الأوروبية، حتى يمكن تقديم صورة أفضل عن الإسلام والمسلمين.

وأوضح أن الحملة التي يتعرض لها الإسلام على فترات متفاوتة يقف وراءها اللاهوتيون أصحاب الأفكار الهدامة في الغرب، وأن إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، خطأ كبير، لأن الإسلام صان أرواح الناس جميعاً بوسائل متعددة .وأشار «زقزوق» أن الصحوة التي يعيشها المسلمون حالياً ليست مكتملة لأنها تتركز في مناطق على حساب مناطق أخرى، في إشارة منه إلى ضرورة العمل على جبهة واحدة على المستوى العالمي.. فإلى نص الحوار : * ما رأيكم فيما تقوم به واشنطن داخل المنطقة بحجة الحرب على الإرهاب، وكأنها تطبق مبدأ القصاص على شعوب بأكملها؟

ـ موقف الإسلام واضح في القصاص، فقد قال سبحانه وتعالى «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى»، أي أن يقتل القاتل ولا يقتل سواه، فلو أقيم على من ارتكب جريمة القتل الدليل، فإنه لابد أن يأخذ عقابه، لأن الله جل شأنه يريد المساواة، ولكن لو قتلنا أحدا سواه فسنكون ظالمين، فقال تعالى:

«ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا»، والسلطان هنا يتلخص في أمور ثلاثة، أولها أن أولياء القتيل، إما أن يطالبوا الحاكم بأن يقتص من القاتل، وإما أن يقبلوا الفدية، وإما أن يعفوا عن القاتل، ومجمل القول في ذلك انه لا يمكن أبداً أن نقتل أمة، لأن فرداً، هو الذي قتل أو هو المدبر، لأنه ليس هناك عاقل يطلب القصاص على أساس الشبهة، بل لابد من التيقن والتأكد، و الإسلام هنا، خلافا لما يتهم به في الغرب، يأمر الناس بالتعاون على البر والتقوى، كما ينهى عن قتل الآمنين والمسالمين والنساء والأطفال والشيوخ.

الإسلام وحقوق الغير

وكيف تردون على من يلصقون الإرهاب بالإسلام بصفة عامة؟ الإسلام من هذه الاتهامات بريء تماماً، فالإسلام صان أرواح الناس صيانة عظمى بوسائل متعددة، فهو الذي بين أن الناس جميعاً من أب واحد ومن أم واحدة، قال جل شأنه «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها» فشريعة الإسلام دائماً تبين وتوضح وتقارن بين من يسعى لإصلاح الناس .

ومن يسعى لقتل الناس، ويبين أن من يسعى لصيانة روح ونفس الإنسان كأنه أحيا الناس جميعاً، ومن يعتدي على نفس إنسانية كأنه اعتدى على نفوس الناس جميعاً، فكيف بعد كل ذلك يتهم المسلمون بأنهم إرهابيون، وأرى أن هذه أحد الوسائل التي يجيدها الغرب جيداً لتشويه صورة الإسلام.

* ما هو تقييمكم للصحوة التي يشهدها العالم الإسلامي حالياً في مناطق مختلفة منه والتي جاءت متزامنة مع نشر الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام؟

ـ الصحوة الإسلامية الحالية هي يقظة جديدة نشهدها في معظم البلدان الإسلامية، ولكن هذه الصحوة ليست مكتملة بعد، لأنها مازالت تضع نقاط تركيزها في بعض المواقع وتترك أماكن أخرى كثيرة، وما نحتاجه كأمة إسلامية هو أكثر من التركيز على المظهر أو الشكل أو التركيز على جانب الشعائر فقط..

فالعالم الإسلامي يحتاج لصحوة من الجانب العلمي فضلاً عن احتياج المجتمعات الإسلامية للتنمية الشاملة حتى تستطيع أن تثبت وجودها في عالم التنافس الاقتصادي، ونحن في عصر من يملك فيه العلم يملك القوة ونحن نعلم، أن العالم الإسلامي ليس له دور في رسم تخطيط سياسة العالم، لأن الذين يرسمون الدور ويضعون الخطط لهذا العالم ليسوا من المسلمين مع أن المسلمين يشكلون ما لا يقل عن1/5 سكان العالم.

وهذا يحتم علينا أن نهتم بأن تكون الصحوة الإسلامية صحوة شاملة بمعني الفهم السليم للإسلام في جميع نواحيه وشتى مجالاته وأهمها العلم، فالعلم فريضة من وجهة النظر الإسلامية، وعمارة الأرض والدعوة إلى الله فريضة وهذه الفرائض ينبغي أن تقابل بالطاعة والامتثال.

الدعاة الجدد

* كيف يمكن إعداد الدعاة بالشكل الذي يمكن أن يكونوا به غير داعين للأمة الإسلامية والقضية الإسلامية؟ ـ علينا بداية أن نذكر الآية الكريمة التي تقول «وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»، هذه الطائفة التي حدثنا عنها القرآن الكريم لا يجوز لها أن تمارس هذا العمل الدعوي، إلا إذا توافر فيها الشرط المنصوص عليه في الآية الكريمة .

وهي التفقه في الدين أولاً، وبالتالي فليس هناك مجال لأنصاف المتعلمين ولا الجهلة الذين يدخلون مجال الدعوة الإسلامية، وهم غير مؤهلين لها وإعداد الدعاة يقتضي شيئين أساسيين أولهما أن يكون الداعية على علم كافٍ بالقضايا الإسلامية وأن يكون حافظاً للقرآن الكريم متمكناً من العلوم الإسلامية..

بالإضافة إلى هذا على الداعية أن يكون على وعي كامل بقضايا العصر ومشكلات المجتمع ومدركاً للأولويات التي يضعها نصب عينيه، عندما يتوجه بالحديث فيها، كما ينبغي على الداعية أن يقوم بتبصير المسلمين بواجباتهم تجاه شؤون دينهم ودنياهم، حتى نستطيع أن نخدم ديننا وأوطاننا.

* وما هي الأسس التي يجب على الداعية أن يسير عليها في دعوته للإسلام ؟

ـ القرآن الكريم وضع الأسس القوية لهذا الأمر وذكرها تعالى في كتابه العزيز «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» فليس هناك غلظة ولا فظاظة ولا تجهم، ولكن ينبغي أن يكون هناك لين ورفق ورحمة، لأن الدين جاء للناس رحمة إذ يقول الله سبحانه وتعالى، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» والله سبحانه وتعالى حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون وكان فرعون يقول أنا ربكم الأعلى، وكان طاغية لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه ومع ذلك يقول الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون، «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى»، ويقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الدعاة «وقولوا للناس حسنا».

وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بقومه رؤوفاً بهم، ولذلك امتدحه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى، «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظَ القلبِ لا نفضُّوا من حولك» .

وقال الله سبحانه وتعالى «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الداعية الأول الذي ينبغي على الدعاة أن يتبعوا سبيله في الدعوة إلى الله كان يقول «تبسمك في وجه أخيك صدقة» وعلى كل هذا فإن طريق توصيل الدعوة إلى الناس ينبغي أن يكون مبنياً على العلم والرحمة والرفق بالناس.

تحديات الأمة

* مازال الحديث قائماً عن وجود تحديات كثيرة تواجه الأمة الإسلامية، ما رأيكم في ذلك؟

ـ يجب في البداية أن تجتمع كلمة الأمة الإسلامية على كلمة سواء، حتى يمكن لكافة المسلمين مواجهة التحديات التي تواجههم وهي تحديات كبيرة وكثيرة ومتنوعة.

ويمكن للمؤسسات الإسلامية أن تلعب دوراً مثل منظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم الدول الإسلامية كافة، ومع ذلك فأرى أن العلاقات بين الدول الإسلامية ما زالت تحتاج إلى دفعه قوية وتنشيط، لأننا نعيش في العصر الذي يطلق عليه عصر التكتلات، والمسلمون ليسوا أقل من الأوروبيين الذين فرقت بينهم الحروب العالمية والمنازعات واختلاف اللغات..

ومع ذلك وجدوا سبيلا إلى التعاون فيما بينهم، ولذا فالأولى أن يكون للمسلمين التضامن والاعتصام بحبل الله المتين، والعمل على أن يستعيدوا قوتهم حتى يتحقق لهم النجاح في مواجهة التحديات.

وأكثر ما يحتاج إليه المسلمون هو أن تتكاتف جهودهم على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى الدينية وعليهم التضامن بكافة أشكاله وصوره، وهناك من القضايا التي لا يمكن حلها إلا إذا وجد العالم المسلمين أنهم صف واحد، وعلى رأس هذه القضايا قضية تحرير مدينة القدس «المحتلة».

* وماذا بشأن الذين يطرحون وجهة نظر مفادها أن نصوص الإسلام غير متماشية مع متطلبات العصر؟

ـ الإسلام أولاً وأساساً هو دين للحياة والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم «هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» يعني طلب منا عمارة الأرض وبمعنى أنه إذا ما كان الله قد طلب منا عمارة الأرض فهذا واجب ديني وعمارة الأرض لن تكون إلا بالعلم والعمل والبحث العلمي وكل الوسائل التي تساعد على النهوض في المجتمع، فليس هناك مانع بين ديننا وأن نعمر الأرض فديننا بذلك يقود حركة الحياة..

أما بالنسبة لقول البعض بأن ديننا لا يملك نظرية للحكم، فالقضية أن الإسلام فيه أشياء أساسية قررها حتى يسير المسلمون على ضوئها من مبادئ وفيه أشياء تركها للمسلمين.

وهذا يعني أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وإن لم يكن كذلك يبقى فيه جمود، والإسلام فيه قواعد ومبادئ مقررة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الصحيحة، وهذه الأشياء تطبق عن طريق البشر لاشك في ذلك، مثل أي قوانين في الدنيا تطبق عن طريق البشر، وبالتالي هذا الخطأ والصواب ليس راجعاً للمبادئ.

ولكن يؤخذ على المسلمين أنفسهم، فعندما أُخْطِئ كمسلم لا يجوز أن أُحَمِّلَ الإسلام تبعية ذلك.. الإسلام يريد أن يطبق مبادئَهُ أهلُ الذكرِ، يعني أهلُ العلم، وهم أهل الاختصاص والخبرة، وأهل الدين ليس لهم خبرة لا في السياسة ولا في الاقتصاد، ولا شيء من هذا القبيل، فلابد أن يطبق كل هذا رجال الخبرة، وليس رجال الدين.

* وماذا بشأن الادعاءات التي مازال الغرب يرددها حول أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأنه ظلم المرأة في المواريث؟

ـ القول بأن الإسلام انتشر بحد السيف غير صحيح على الإطلاق، وكمثال على ذلك الإسلام في جنوب شرق آسيا وفي غرب افريقيا انتشر بصورة كبيرة جداً، ولم يدخل هذه البلاد جندي مسلم واحد، بل عن طريق التجار المسلمين وطريق المتصوفة المسلمين، أي أن الإسلام انتشر بنفسه دون سيف.. كما أن الفتوحات الإسلامية لم يكن الغرض منها إجبار الناس على اعتناق الدين الإسلامي.

أما فيما يتعلق بقضية المرأة أرى أن الإسلام يتحيز للمرأة وليس ضدها، فالمرأة ينفق عليها إما والدها أو زوجها أو أخوها إن لم يكن لها أحد، وإما أقرب الأقربين إليها إذا كانت من ذوي الأرحام، ولم يكن لها أحد، وهي عندما تتزوج مالها كله لها، وإذا كانت تعمل مرتبها لها وحدها وزوجها هو المكلف بكل شيء.

* وماذا تقول لبعض الكتاب الذين يزاوجون بين التخلف والإسلام وهل نسي هؤلاء التاريخ؟

ـ فالمسلمون استطاعوا أن يبنوا حضارة إسلامية مزدهرة حلت محل حضارة الفرس والروم في وقت من الأوقات، وأخذ عنهم الأوروبيون في وقت من الأوقات، وفي القرون الأخيرة جدت على المسلمين ظروف معينة وضعت أمامهم مشكلات كثيرة، وأصبح هناك فهم خاطئ للإسلام، على اعتبار أنه مجرد شعائر تؤدي فقط، وانتشرت أفكار ليست من الإسلام في شيء، والمسلمون مطالبون في كل عصر.

وليس في هذا العصر فقط، أن يكونوا مشاركين في الحضارة الإنسانية، واليوم توجد دول إسلامية غنية، بل وأغنى من بعض الدول الأوروبية، وهذا موجود عن طريق الثروات البترولية، ولكن ليس هناك دولة إسلامية على قمة التقدم العلمي والتكنولوجي وهذا عيب المسلمين أنفسهم، وليس عيباً في الإسلام، لأن الإسلام لا يضع قيوداً ولا حدوداً ولا سدوداً أمام المسلمين ليتقدموا في مجال العلم والتكنولوجيا.

الإسلام والغرب

* إذاً بماذا تفسر حملات التشويه المستمرة من جانب الغرب ضد الإسلام بالرغم من ـ حديثهم عن أهمية وجود حوار مستمر بينهم وبين الحضارة الإسلامية؟

ـ الحملات الضارية ضد الإسلام اليوم ليست وليده ظروف جديدة طارئة، وإنما هي نتيجة ترسبات قديمة في العقلية الغربية، نتج عنها تشويه متعمد للإسلام منذ قرون طويلة يرجع إلى ما قبل الحروب الصليبية، وفي العصور الوسطي راح اللاهوتيون النصارى ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول الإسلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهناك أساطير مغرقة في الضلال والخيال، اخترعها الكتاب في ذلك العصر مثل أنشودة رولاند التي تصف المسلمين بأنهم عباد أصنام وتدعهم بأحط الأوصاف وترسخ في العقلية الغربية أن الإسلام دين عدوان متعصب وشهواني تواكلي.. الخ.

ولا يزال حتى يومنا هذا تدرس للأطفال في المدرسة الغربية معلومات خاطئة عن الإسلام والمسلمين ولذلك ليس عجيباً أن نجد حملات إعلامية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب تنشط بين الحين والآخر، ولكن اليوم ترتعد فرائص الغربيين خوفاً وهلعاً من الصحوة الإسلامية وهناك حملات تنشيط بين الحين والآخر تعتبر الإسلام هو العدو الأول الذي حل مكان الشيوعية.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية