كل عمل معماري هو، في النهاية، وليد قرار واضح وصريح ومحدد بتبني فلسفة جمالية بعينها، يخرج من عباءتها مجمل مفردات الإنشاء والتصور الكلي للمشروع الزخرفي، الذي يعانق هذا الإنشاء.

وسواء أكان هذا القرار عائدا إلى راعي المعمار المسجدي، أم راجعا إلى المعماري نفسه، أو وليد مداولات لجنة فنية تسند إليها هذه المهمة الصعبة، فإنه يظل حاضراً، وقائما، يفرض نفسه على العمل المعماري، وعلاقته بالمجتمع الذي شيد على أرضه وبين أهله. ولكن هل الأمر بهذه البساطة حقا؟ لو أن قراراً قد اتخذ بتبني تقاليد العمارة المسجدية المصرية على سبيل المثال فهل يعني ذلك أن حلا سحريا لمشكلة اختيار اللغة المعمارية قد تم التوصل إليه وما علينا إلا وضعه موضع التطبيق؟ الإجابة هي، بالطبع، بالنفى في مواجهة علامتي الاستفهام كلتيهما، فتقاليد العمارة المسجدية المصرية تحيل إلى أكبر تجمع للإنشاءات المعمارية المسجدية في العالم الإسلامي، وتشير إلى ألف عام من مراكمة الممارسات المعمارية، والحفر في صخرها، ومحاولة تجويدها والوصول بها إلى ذروة الرقي، مع التوفيق حينا والتردى أحياناً.

ليس من قبيل الصدفة أن الباحث المعماري العالمي جيمس ستيل يؤكد لنا أن العمارة المصرية هي طبقات هائلة من التأثيرات، تترك بصمتها بقوة في أي مسجد يشاد اليوم، في أي مكان من العالم.

لكن ذلك لا يحل مشكلتنا مع فهم هذا الجبل من التأثيرات، فلو حاولنا فهم جيل التأثيرات هذا لوجدنا أنفسنا، بأوسع المعاني أمام أربع تيارات كبرى في العمارة المسجدية المصرية، هي على التوالي التيار الفرعوني، التيار الإسلامي، التيار الأهلي، وأخيراً التيار الحداثي الدولي.

إذا حملنا هذه الرؤية زاداً لنا، وانطلقنا بها في رحلتنا لتأمل صرح مسجدي رائع على أرض الإمارات، هو مسجد فاطمة بنت علي في عجمان، الذي تشرف عليه دائرة الأوقاف، لأدركنا مدى عمق الإحالة التي طرحها جيمس ستيل من خلال الحديث عن طبقات التأثيرات.

هذا المسجد يستحضر أرقى تقاليد الذاكرة البصرية في تجلياتها المملوكية، حيث نجد المئذنتين تشكلان عملين نحتيين شائقين، يتكاملان مع كتلة بيت الصلاة القوية والراسخة، وتنسحب القباب إلى حدودها الدنيا الوظيفية.

غير أن ذلك لن يمنع البصر من أن يرحل، ليلتقط تلك التفاصيل الأندلسية المدهشة، التي تفرض حضورها عبر المداخل إنشاء ونقوشا وزخارف. هذا الإنشاء البهي يطل كأنما في حوار لا ينتهي مع المشروع الزخرفي لمسجد فاطمة بنت علي في عجمان. لما كان الداخل الرحب للجامع يمتد طويلا، كأنما بلا انتهاء، فقد فرض مشروعاً زخرفيا، على القدر نفسه، من البهاء والقوة والقدرة على الارتفاع إلى الذروة.

ونظرة واحدة إلى هذا المشروع الزخرفي توضح التعدد الهائل للعناصر المدرجة فيه، ما بين زخارف هندسية، ونقش بديع في الخشب، وعناصر الخط، والتأثيرات النباتية والمقرنصات، التي تتألق في العديد من جوانب المسجد.

غير أن البطولة في هذا المشروع الزخرفي تنعقد بامتياز لغابة الزخارف البديعة، المنفذة في الجص باقتدار يعيد إلى الذهن أروع تقاليد هذا الفن، على نحو ما تصافحها العين في مساجد المغرب العربي والأندلس.