روى البخاري رحمه الله عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «خطَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطاً مربعاً، وخطّ خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي بالوسط فقال:

«هذا الإنسان، وهذا أجله محيطاً به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطُط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا».

الحديث الشريف عبارة عن درس تعليمي، استخدم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم اسلوب الرسم البياني، عندما خطَّ لأصحابه خطوطاً رمزية، عبَّر ببعضها عن الإنسان، وببعضها الآخر عن أجله المحيط به، وبخطوط أخرى عن الأمل الذي يأتي خارج دائرة الأجل، وجاءت خطوط لترمز إلى الأعراض والأخطار التي تتزاحم على الإنسان لإنهاء أجله.

وهذه الطريقة التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم، في تعليم أصحابه، تعتبر من الوسائل التعليمية التي تركّز عليها التربية الحديثة، لأهميتها الكبيرة في ترسيخ المعاني والحقائق المجردة، وتقريبها إلى الأذهان من خلال استخدام جملة من الحواس كالسمع والبصر، والحديث الشريف درس تعليمي تربوي، يهدف إلى تنبيه الإنسان إلى أمر خطير يحدق به في كل لحظة.

وهو الموت، ولكن الأمل الذي أشار إليه الحديث يخرج من قلب الإنسان كالشعاع يذهب به بعيداً في عالم الحياة الدنيا، بعيداً عن الموت، رغم الأخطار والأهوال والآفات، والحوادث الطارئة التي تتزاحم عليه لإنهاء أجله.

والمتأمل في تلك الخطوط التي خطّها النبي صلى الله عليه وسلم كخارطة لواقع الإنسان هي تعبير دقيق وتصوير مرهف يهدف إلى تنبيه السامعين ليتعاملوا مع واقعهم بحكمة، لا تجعل الإنسان غافلاً عن مهامه الكبرى التي كلف بتحقيقها في حياته القصيرة. فالموت هو أقرب حدث يمكن أن يفاجئ الإنسان، ولكن الأمر العجيب الذي نراقبه ونلحظه أن معظم الناس يدفعهم طول الأمل إلى النظر في آجالهم على حدس عجيب، قوامه أن الموت يمكن أن يكون قريباً من كل إنسان.

إلا ذلك الإنسان صاحب الحدس، فإذا بلغ أحدهم خبراً مفاده موت إنسان ما، تقبل ذلك الخبر، واعتبره أمراً طبيعياً لأن الموت حق، ولكنه هو نفسه يستبعد فكرة تعرضه للموت قريباً، والسبب في هذا الشعور.

وذلك هو طول الأمل الذي يجعل الإنسان يرى الموت بعيداً عنه، وهذه هي الغفلة التي حاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يحذر أصحابه منها، وأما الخطوط الكثيرة التي خطها النبي عن يمين وشمال الخط الأول فهي التي ترمز إلى الأعراض والأسباب التي تؤدي إلى إنهاء حياة الإنسان وهي كثيرة فقد يمرض الإنسان ويأتيه اجله، وقد يسقط من شاهق فيأتيه أجله.

وقد يموت حريقاً أو غريقاً، وقد يأتيه أجله فجأة دون سابق إنذار كما يحدث في هذا الزمن الذي كثرت فيه حوادث موت الفجأة، كالسكتة الدماغية، والذبحة الصدرية.

وجلطة الأوعية الدموية وغيرها، وأمام هذا الواقع يصبح طول الأمل مفسدة للإنسان، يؤدي إلى إفساد الآخرة، لأنه يدفع صاحبه إلى الزهد في الطاعات، والإقبال على المعاصي، والتسويف في الإقبال على التوبة وعندها لا يحسب حساباً للموت الذي قد يباغته، وهو غارق في فسقه وآثامه.

ولذلك أوصى النبي أصحابه بدوام ذكر الموت وعدم الغفلة عن الآخرة فقال عليه الصلاة والسلام لابن عمر رضي الله عنه «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل» وقال له مرة أخرى: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك».

هذه هي الوقفة التربوية التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته حتى تبادر إلى استغلال أعمارها بالعمل النافع المفيد، ولا تستولي عليها الغفلة التي تفسد على الإنسان عمله الهادف، فيخسر الدنيا والآخرة.

د. أبو بكر علي الصديق