قال تعالى «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» حقاً إن القصاص حياة، فهو من الوسائل التي تحفظ للمسلمين قوتهم البشرية وتكاثرهم وشيوع الأمن والطمأنينة في ربوع البلاد والاستقرار في علاقاتهم بعضهم مع بعض.
جعل الله القصاص نكالاً وعظة لأهل السفه والجهل من الناس، فكم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص الواقع بها، لكن الله حجز بالقصاص بعضهم عن بعض.
كما إن في القصاص بقاء لغيره، لأنه لا يقبل بالمقتول غير قاتله في حكم الله، وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر ويقتلون بالعبد الحر، وبالواحد الجماعة. والقصاص بذلك لا تعود فائدته إلى ولي الدم فحسب، ولكن تعود تلك الفائدة إلى الأمة كلها، وفي إيراد كلمة «لكم» في الآية السابقة ما يشعر بالضرورة بأن القصاص تكون منفعته تعم الجميع وليس انتقاماً من الجاني تعود منفعته إلى المجني عليه أو ولي الدم فقط.
وعقاب الجاني سمِّي قصاصاً، وهذا يتضمن المساواة بين الجريمة التي اقتُرفت والجزاء والمقابل لها، وتلك عدالة بالغة وإصلاح وتقويم، وذلك لتتبع أثر الجريمة وصانعها وقطع لدابرها، فيسود الأمن والأمان بين الأفراد وينتشر الإصلاح في الجماعة، لأنه إذا لم يكن هناك قصاص ومساواة بين الجريمة والعقوبة لأهدرت الدماء وأصبح القوي يصرع الضعيف وصارت الأمور فوضى لا ضابط لها، فلا حياة وصلاح في جماعة لا تعمل على محو الجريمة وتحل فيها المثارات محل القانون الرادع للعُصاة.
إنما الحياة والصلاح في الترابط بالمودة والرحمة والعدالة.فالقصاص ليس انتقاماً وليس إرواءً للأحقاد، وإنما هو أجلّ من ذل وأعلى، إنه للحياة، بل هو في ذاته الحياة، ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة التي شرعها الله العالم بعباده الذي يعلم ما يصلحهم، يعلم أن في القصاص كفّ للجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذي يؤمن أنه يدفع حياته ثمناً لحياة من يقتل جدير به أن يتروّى ويفكر ويتردّد، وهنا نفهم شيئاً من الآية السابقة التي جعلت في القصاص حياة، أي حياة لمن نوى القتل، فقد جعله القصاص يبتعد عن الاعتداء .
وبذلك أنقذ حياة نفسه وحياة غيره. إن القصاص من المعتدي شفاء لصدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، شفاؤها من الحقد والرغبة في الثأر، والثأر له شأن كبير عند العرب خاصة بين القبائل، فلربما دام النزاع بينهم أربعين عاماً وتسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلاً بعد جيل، ولا تكف عن المسيل.
قرر القرآن الكريم أن القصاص حياة في معناها الأشمل الأعم، فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها واعتداء على كل إنسان حي يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كفّ القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة فقد كفّه الاعتداء على الحياة كلها، وكان في هذا الكف حياة، حياة مطلقة لا حياة فرد ولا حياة أسرة ولا حياة مجتمع، بل حياة.
إن الرجل المجرم الذي قتل شخصاً واحداً يشيع الخوف بين أهل البلد كله، ويظن كل فرد منهم أن الدور قادم عليه، ولا يخفى هول الإشاعات التي يتناقلها الناس من حق وباطل، فيزداد الهول إلى الهول، ويزداد الرعب إلى الرعب، وصارت الحياة مؤلمة لكل الأفراد، فإذا وقع القصاص منه عادت الطمأنينة إلى كل الناس.
فالذين رقّت قلوبهم لقتل المجرم، وطافت رحمتهم في قلوبهم عليه سيكونون هم أول ضحاياه، وذلك بأنهم شجعوا غيره على ارتكاب جريمة أخرى لعلمه أنه لن يقتص منه، ولهذا رجعت بعض الدول التي ألغت القصاص إلى القصاص مرة أخرى بعد أن علمت أن الجريمة ازدادت وما نقصت، وأن الرحمة التي دعتهم إلى التخفيف عن الجاني رحمة في غير محلها.
زكريا الطحان