يعرف زكي مبارك باختصار بعبارة: شاعر، وكاتب، وناقد مصري. وقد أثنى عليه خير الدين الزركلي وقال فيه: «أديب من كبار الكتاب المعاصرين: امتاز بأسلوب خاص في كثير مما كتب، قال: وله شعر في بعضه جودة وتجديد». ولا ننسى أن الزركلي شاعر مجيد متقن، وحكمه هذا صادر عن معرفة وخبرة. اسمه: زكي بن عبدالسلام بن مبارك، واشتهر بزكي مبارك. وطبع بعض كتبه باسم: محمد زكي مبارك، وأشار هو إلى ذلك في قصيدة له نظمها ذاكراً يوم مولده بمناسبة من مناسبات تجديد ذلك اليوم، ومما قال:
اسمي هو اسم محمد
من كاد يقتل في الحروب
دفعاً عن الدين الذي
من عدله نهضت شعوب
بالدين أو قرآنه
قد صار في مصر أديب
ولد زكي مبارك في (سنتريس) من المنوفية بمصر 1891 وتعلم في الأزهر وأحرز لقب دكتور من الجامعة المصرية، واطلع على الأدب الفرنسي في فرنسا. واشتغل بالتدريس في مصر، وانتدب للتدريس في العراق، وعاد إلى مصر. وذكر من ذكرياته الأليمة الجوع الذي أصابه في باريس وفي الموصل، وتذكر الأثر المشهور «إذ أحب الله عبداً جعل رزقه في بلده». وحين عاد إلى مصر عين مفتشاً بوزارة المعارف. وأصدر أكثر من ثلاثين كتاباً، بعضها ذو مكانة وأهمية في تراث القرن الماضي. وكان في أعوامه الأخيرة يوالي نشر فصول من مذكراته وذكرياته في فنون من الأدب والتاريخ الحديث تحت عنوان (الحديث ذو شجون).
وقد ذكر زكي مبارك نفسه ولوعه بالحصول على أكثر من درجة للدكتوراه، وقال إن الذي لقبه بالدكاترة زكي مبارك هو الشاعر المصري محمد الأسمر بعد إلقاء قصيدة فيها قوله:
هذا زكي لم يزل متتلمذاً
وله تلامذة هم العلماء!
ثم قال يعني الأسمر يعجبني طموح الدكاترة زكي مبارك!
ومن خلال إعجابه الذكي بنفسه نجد في ديوانه ثلاث قطع نظمها لتكون مرافقة لصورة يهديها، ولم يسرد علينا تفصيلات تتعلق بالمهدى إليهم (أو إليهن) ونوردها على تسلسلها في الديوان (53,44، 107)، قال في الأولى تحت عنوان: (مع الصورة):
ولما عزني في الحب دهري
وأرغمني الزمان على نزوحي
ولم أعرف لرؤيتكم سبيلاً
بعثت بصورتي من بعد روحي!
وجدير أن تكون هذه القطعة مهداة، مع الصورة، إلى فتاة، فطبيعة الكلام توحي بأنه موجه إلى امرأة. وعَنْوَنَ للقطعة الثانية بـ (تحت صورتي) فهما يمثلان الشكل التقليدي للشعر الذي يكتب تحت صورة الشاعر، يكثر ذلك عند إهداء الصورة... قال:
ولما صار ود الناس ختلاً
وأوحش ربعهم من بعد أنس
ولم أظفر على جهدي بحر
تركت هواهم وصحبت نفسي
والبيت الأول من قول أبي الطيب المتنبي:
ولما صار ود الناس خبا
جزيت على ابتسام بابتسام
والخب والختل بمعنيً. والبيت الثاني من قول المتنبي أيضاً (في الشطر الثاني)
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وعنوان للقطعة الثالثة بعبارة «مع الصورة» وفيها
سكنت إلى النوى ونسيت صبا
نحيلاً كاد يقتله الحنين
فلما لم يجد في الحب صبراً
ولم ترحم جوانحه الشجون
تفانى في النحول فلو تبدّى
لما فطنت لخطرته العيون!
وها هو كالخيال أتاك يسري
مخافة أن تظن به الظنون
فأكرم نزله وارحم ضناه
فإن فؤادك الحرم الأمين
وقد أطال الشعراء قديماً في صفة النحول، وفيهم أبو الطيب.
