لابد ان نبدأ حديثنا في هذا السياق إلى ان العالم قبل الإسلام لم يكن الناس فيه يعرفون ان لهم حقوقاً، كل الذين كانوا يعرفونه هو ان عليهم واجبات يتحتم عليهم ان يقوموا بها، وان قصروا فيها فالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يتقاعس عن أداء هذه الواجبات وليس عليه ان يفكر في حقوق تمنح له بالمقابل وهذا الأمر عرفته البشرية منذ أقدم عصورها.

ظهر الإسلام الذي أنصف الناس وبين لهم ان ثمة حقوقاً تكفل لهم وترعى، إلى جانب واجبات ينبغي عليهم تأديتها وهذا يظهر جلياً في التكاليف التي تقوم على أمرين: الواجبات والحقوق، وهو أمر على غير ما عليه الشعوب الأخرى غير الإسلامية فاليوم تلك الشعوب على عكس ما كان عليه أسلافهم قبل الإسلام، يهتمون بالحقوق دون أدنى اهتمام بالواجبات وقد كان أسلافهم يهتمون بالواجبات قبل الإسلام ولا حقوق يولونها اهتماماً. حقوق وحقوق وكان لا واجب في مقابل هذه الحقوق ويا ليت لو ان هذه الحقوق تجد حقها في التوجهات كافة، ولكنها في الغالب الأعم لا تكون هذه الحقوق المزعوم رعايتها الا حبراً على ورق اذا صح التعبير.

إذا أديت الواجبات رعيت الحقوق

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: «الإنسان في الشريعة الإسلامية مخلوق مكلف مطالب مسؤول اكثر مما هو مطالب (بكسر اللام) سائل، أما الإنسان في الغرب ابداً يقول: ماذا لي؟ وفي الإسلام يقول ماذا علي؟ فالحقوق ترعى حقاً يوم ان تؤدَّى الواجبات فحق كل إنسان هو واجب على غيره: فمثلاً حق الولد في الرعاية والتربية الحسنة هو واجب على أبويه، وحق الوالدين في البر والاحسان إليهما عند الشيخوخة أو العجز بأية صورة من صور هذا العجز واجب على الأولاد، وحق الفقير والمسكين في كفالة العيش واجب على الغني كما قال تعالى: «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» سورة المعارج ـ الآيتان 24 - 52.

وحق الرعية في العدل وتكافؤ الفرص واجب على الراعي «وكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». أو كما قال الصادق المصدوق. ويمضي الدكتور القرضاوي فيقول: «هذه الحقوق إنما ترعى حينما تؤدى الواجبات، وهذه هي فلسفة الإسلام الذي يمزج بين الواجب والحق، بل يؤكد كل التأكيد ويركز كل التركيز على اداء الواجب فإنما تضيع الحقوق حينما تضيع الواجبات».

وفي اطار حق المحكوم على الحاكم أو بمعنى الرعية على الراعي نأخذ النموذج الأسمى من الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه. جاء في سن الطبراني عن الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما قوله: «لما احتضر ابو بكر قال: يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها (يعني الناقة) والجفنة التي كنا نصطبخ فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا على أمر المسلمين فإذا مت فاردد به إلى عمر (باعتباره الخليفة الذي اسند إليه الأمر من بعده).

فلما مات ابو بكر ارسلت ام المؤمنين عائشة بما أوصى به أبوها إلى عمر فقال عمر: رحمك الله يا أبا بكر! لقد اتعبت من جاء بعدك وهذا الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز الذي سار على خطى جده الفاروق عمر بن الخطاب تراه زوجه فاطمة بنت عبدالملك يبكي وهو في مصلاه فتزعج ظناً منها ان أمراً قد حدث وسألته: يا أمير المؤمنين، ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع، وفي المريض الضائع،

والعاري المجهود، والمظلوم المقهور والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت ان ربي سألني عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة! فبكيت. وعن الأوزاعي ان عمر بن عبدالعزيز كان جالساً في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جنداً؟ فقال رجل منهم: لماذا تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ اني لا أعلم انه يصير إلى بلى وفناء، وإني أكره ان تدنسوه بأرجلكم، فكيف أوليكم أعراض المسلمين وابشارهم؟ هيهات لكم هيهات.

هذه هي صور من إطاعة الحاكم الله في الرعية والتي بها تتوجب طوعاً وليس كرهاً إطاعة الرعية لمثل هذا الحاكم العادل، فالعدالة من أولى موجبات حقوق الرعية على الحاكم. قال تعالى: «وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان». وكثيرة هي الصور التي ينبغي ان نسوقها لتخفف علينا ـ على الأقل ـ ما نعيشه اليوم وهو لا يحتاج لشرح او تفصيل فمن منا لا يعنيه تماماً، وما نورده لمجرد الدروس والعبر «فاعتبروا يا أولي الأبصار» ومع عمر بن عبدالعزيز ايضاً فهو ـ على ما يبدو ـ آخر اللبنات في العدل الأمثل القرآني للحاكم الأرشد.

من ذلك ما يروى من ان احد عماله (يعني ولاته على الأمصار) كتب إليه «ان مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين ان يقطع لنا مالاً لرمها به فعل» فماذا كان رد عمر بن عبدالعزيز على هذا العامل (او قل الوالي) كتب إليه يقول: «إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق ترابها من الظلم فإنه مرمتها، والسلام».

ونقف مع مضمون الآية الكريمة وهي قوله تعالى «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا»، جاء في تأويل هذه الآية من بعض علمائنا الأجلاء ان المأمور به محذوف هنا والمراد هو اننا أمرنا مترفيها بالعدل وطاعة الله ففسقوا فيها فحق عليها العذاب. قال تعالى: «يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم» إذن واجب الراعي الصالح ان يرعى رعيته بالعدل وتكافؤ الفرص وان يتخذ البطانة الخيرة التي تعينه على الخير، هذا شطر من الواجبات المتوازنة مع الحقوق.