ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ( النظرة سهم من سهام ابليس من تركها مخافة الله ابدله الله ايمانا يجد حلاوته في قلبه..) وقال الشاعر :

كم من نظرة فتكت في قلب صاحبها

فتك السهام بغير قوس ولا وترِ

يسر مقلته ماضر مهجته

لا خير بسرور جاء بالضرر

ويفهم من حديثه صلى الله عليه وسلم ان اطلاق البصر في المحرمات يفرق القلب ويشتته، ويبعده من الله، ويضعفه ويحزنه. وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه وفي المقابل الغض يورث القلب أنسا بالله ويقوي القلب ويفرحه، ويكسب القلب نورا كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر الله آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)،

ثم قال أثر ذلك : ( الله نورالسماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح)، أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان.

يقول ابن القيم الجوزية : إن غض البصر يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب، وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة .

إن غض البصر يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة،ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة ، كما في الأثر : « الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله»، كما أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له صورة المنظور عليه ويزينها،

ويجعلها صنما يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب، فمن ذلك تلد الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات، فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب.

وبين العين والقلب منفذ أو طريق يوجب اشتغال أحدهما بما يشغل به الآخر، يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه، والأنس به، والسرور بقربه. الا فلنتق الله ولا نتبع النظرة النظرة فان الاولى لك والثانية عليك ولنجعل صيامنا عن الطعام والشراب مصحوبا بالصيام عن الشهوات والنظرات المحرمة فكما يصوم الفم لابد من صيام العين .

أحمد عبد المجيد