عن ثوبان بن يجدد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل انتم يومئذ كثيرون ولكنكم كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أبوداوود
ويحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الدنيا ومن حبها لأنه لا يجتمع حب الله وحب الدنيا في قلب واحد أبدا
وهذا الحديث من نبوءاته صلى الله عليه وسلم لأنه اخبرنا انه في آخر الزمان تكون كثرة ولكن لا فائدة من هذه الكثرة لان العبرة بالإيمان والوقوف على منهج الرحمن وسنة النبي العدنان لكن الناس أهملوا وتركوا وزرعت الدنيا في القلب وأصبح الشيطان قرينا والعياذ بالله لقد نظروا إلى الموت وكأنه على غيرهم قد كتب فأملوا في هذه الحياة ونسوا طاعة الله فهم في غفلة إذا ما ماتوا انتبهوا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
في هذا الحديث ثلاث حركات قوية وهي تحلق الأمم على المسلمين وانتزاع المهابة من الصدور وقذف الوهن وهذه الحركات مزجت بين الحسي والروحي والأولى تصور الأمم في شكل حلقة ضاغطة على دائرة صغرى ينضوي فيها أناس ضعاف هزال فهم كالبقايا التي يحملها السيل لا متانة فيها ولا عبرة لها.
وهي حركة محتملة لضغط متواصل اكبر يقضي على الدائرة الضعيفة التي تجلت قرينة بالقصعة التي هبت من البيئة حتى البيئة الصناعية لنصرة هذا التصوير الجميل واستحضاره الغائب في الحاضر ويمكن أن نقول الحركة لولبية او مخروطية لانها اخذة في الصغر مجتمعة على دائرة صغرى. وهذه الحركة مسببة بحركتين قويتين الأولى هي النزع الشديد الذي جاء في صور داخلية باطنية تثير الهلع وجاء هذا النزع بصوت قوي في لام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة في فعل يسند إلى صاحب القوة العظمى والهيمنة لله عز وجل وصارت المهابة المجردة جسما ينزع بعنف.
والحركة الثانية هي قذف الوهن وهو الضعف في حقيقة الوضع اللغوي وواضح انه مثل في حركة معاكسة في اتجاهها للنزع الذي هو حركة للخارج في حين كان القذف حركة نحو الداخل وكلاهما مؤلم لتماسه بالجسم وقد كنى بالقذف عن حب الدنيا وكراهية الشهادة فجاءت حركة القذف أي قذف الوهن مقابلة لعنف تحلية المحل من المهابة. ويوشك بالمذكر والأمم مؤنث فإنما يؤكد النص هذا الانزياح اللغوي مع جوازه للفت النظر إلى التفكر بحركة الوشك الانقطاعية، اما تركيبه الصوتي فان الضم في اوله ثم الكسر على الشين حيث انكسار الشفاه مما يوحي بانفلات الحدث بعد تقيده.
ثم كان من الوشك ان اوقف الحركة العنيفة السريعة منذ بداية النص كما تبين السرعة من حذف التاء من «تداعي» الذي يفيد حركة التجمع او النزول وكلاهما مروع للقلوب واقتران الفعل بالامم يجعلها لمحة من عمق الازمان وتاريخ المستقبل مما يدعو الى التطلع الرهيب. ويجيء الفعل يوشك بالمضارع لتؤكد استحضار المشهد واستمرار التهديد فهو يدل على الامهال الغريب في وقوع الحدث. هذا وصلى الله على البشير محمد عليه وعلى من سار على هديه من أمته السلام بإحسان إلى يوم الدين.