الإنسان الذي يتمتع بعقل راجح وفكر صائب في كل الأوقات، إذا جاءه شهر رمضان قوى حلمه في نفسه واستعد لاستقبال نفحات هذا الشهر الفضيل بالإكثار من عمل الصالحات قال تعالى:« والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين». (آل عمران 134) الصائم الحليم هو الذي يشعر بالسعادة، لأنه ترفع عن النقائص وصار لا يقابل الإساءة بالإساءة بل بالعفو عمن أساء إليه مع الدعاء له بالهداية.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه (رواه البخاري واللفظ له، ومسلم).
وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه، استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله، قال: ليس كذلك، ولكن مَن استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وَعى، وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. (متفق عليه). ولا يليق بالصائم الحليم أن يطلب الشر ويؤثر الحماقة على الحلم لأن هذا هو الجهل بعينه.
قال تعالى: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين». (الأعراف 199). المسلم الحقيقي هو الذي يسعد بصومه لأنه يشعر أنه في مدرسة روحية تقوي زوارها وروادها وتحثهم على التمسك بالأخلاق الفاضلة التي تسموا بالنفس إلى أعلى مراتب الكمال، وتحثهم على التربية وتقويم النفس إذا غوت، مع العمل على ضرورة تجفيف منابع الشر في النفس.
قال تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن» (فصلت 34) والصائم يصل بأدبه وخلقه الحسن إلى السعادة والرضا ويصل بطاعته لربه، والسير في الطريق الصحيح إلى الجنة إن شاء الله. فما أكرم الحلماء السعداء الذين يصلون الأرحام ويبرون الأهل ويواسون ذوي الحاجة وخاصة في شهر رمضان وطوبى لمن غلب حلمه جهله.
قال أنس في قوله تعالى: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم» (فصلت 34و35). قال أنس: هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت كاذباً فَغَفر الله لك، وإن كنت صادقاً فغفر الله لي.
قال الشاعر:
أحب مكارم الأخلاق جهدي
وأكرَهْ أن أعيت وأن أُعابا
وأصفح عن سباب الناس حلماً
وشر الناس من يهوى السبابا
فالحلم من أشرف الأخلاق التي تأخذ بيد صاحبها إلى السعادة الحقيقية لما فيه من سلامة العرض وراحة البال والسمو بالنفس إلى مرتبة عليا من الأدب مع الله ومع الناس قال سري السَّقطي رضي الله عنه: صليت ليلة مِن الليالي، فَمددت رجلي في المحراب، فنويت في سري هكذا تجالس الملوك، فقلت: لا، وعزتك لا مددت رجلي أبداً. وقال بعض العارفين: مددت رجلي في الحرم، فقالت جارية: لا تجالسه إلا بأدب، وإلا فيمحوك من ديوان المقربين.
ـ الحلم سمو في الحديث بأهل الفضل ـ روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل؟ قال: فيقول ناس وهم يسير، فينطلقون سراعاً إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إنا نراكم سرعاً إلى الجنة، فمن أنتم؟ فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أسييء إلينا حلمنا، فيقول لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. (رواه الأصبهاني).
ـ وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم. ـ ومن عنده بستان في صدره من الإيمان والحلم والذكر تجده سعيداً وهو يعطي من حرمه ويصل من قطعه وخاصة في شهر رمضان حيث الجزاء الجزيل من رب العالمين. فالصيام بالنسبة للإنسان داع للبر وعمل الخير، ومن الخير العفو والحلم على من أساء إلينا.
روي أن رجلاً تكلم في الإمام زين العابدين وافترى عليه، فقال له زين العابدين: إن كنت كما قلت فاستغفر الله تعالى وإن لم أكن كما قلت، فغفر الله تعالى لك، فقام إليه الرجل معتذراً، وقبَّل رأسه، وقال جُعِلت فداك لست كما قلت استغفر لي، قال: غفر الله لك، فقال الرجل، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
؟ وفي ختام اللقاء دعاء ورجاء:
ـ اللهم بالصوم أدخلنا بفضلك في ميادين الرحمة، وارحمنا واغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وألطف بنا لطفاً يحجبنا عن غيرك ولا يحجبنا عنك، فقد ربح الصائمون وفاز القائمون ونج المخلصون، ونحن عبيدك المذنبون فاغفر لنا واحمنا وجد علينا بعفوك ولا تتركنا حيارى بين خلقك، انك على كل شيء قدير.
ـ اللهم اجعلنا من الصائمين الصادقين المخلصين المحبين الخير لكل الناس وابعد عنا وساوس الشيطان، واجعلنا أوفياء لمن حولنا حتى يسود الحب بين الناس، اللهم اجعلنا راضين بما قسمته لنا، ولا تفتنا فيما يعرض لنا فكل شيء قدرته لنا فيه الخير ولا راد لقضائك ولا معقب لحكمك فأنت سبحانك القادر على كل شيء ولا حول ولا قوة إلا بك ياذا الجلال والإكرام يا الله.
حامد واكد