إن التردي والتأخر اللذين يصيبان الأمم المختلفة ويهويان بها إلى قائمة التخلف والتقهقر يرجع ذلك إلى أسباب عديدة ومن ضمنها عدم الاهتمام الفعلي بتغذية العقل فكريا من خلال التوسع في المعرفة التامة التي تحيط بالإنسان وهي كثيرة لفهم واقع الحياة؛ فيعمد بعض الأفراد إلى العلم ليتعلم فقط دون أن يستوعب ذلك العلم فليس عنده أي استعداد تام ورغبة أكيدة لتغير بعض الأنماط السلبية السائدة في المجتمع التي يتوجب عليه ان يغيرها قبل أن يأتي إليها عنصر التشييد والبناء ليصلح اعوجاجها.
فقد يركن بعض الناس إلى بعض المواريث الكلاسيكية المأخوذة من الاباء والأجداد أو المجتمع التقليدي فهذه المواريث الكلاسيكية تعتبر من معاول الهدم والتخريب في الحياة ولا نقصد كلها فبعضها محمود الأثر، ولكن نقصد بطبيعة الحال المواريث التي لا تتوافق مع العقل البشري الحي ومعطيات العصر الحديث؛ لأسباب كثيرة منها أنها لا تستطيع أن تقدم الدور الايجابي لتحريك عجلة التقدم للإنسان وليس عندها الاستعداد التام للمساهمة في أي مجتمع لإيجاد حلول شافية ووافية للقضايا والمشكلات المعاصرة،
ولا يمكنها أن تحرك ساكنا في أنماط الحياة المتنوعة، بل كلما زاد الإنسان تعلقا بها ومحافظا عليها زاد تأخرا وتشرذما بحيث يكون منبوذا من قبل بعض المجتمعات خصوصا المتطورة أو المتمدنة أو على اقل تقدير ينبذ من قبل أصحاب الثقافات الحية لا سيما العلمية المتبحرة في شؤون المعرفة التي تبث في المجتمع روح الوعي وتبني جسر الأمل المشرق للحياة السعيدة. فمن الواضح لدينا (أن التقدم التقني لدى أمة من الأمم، ما هو إلا مكافأة سخية تنالها على الإنجازات الفكرية والإبداعية الناجحة ناتج عن الاستخدام الجيد للإمكانات الذهنية.
والأمم المتخلفة تقنيا هي أمم لم تستطع استخدام طاقاتها العقلية على النحو المطلوب فمن المهم جدا أن يدرك الناس خصوصا الشباب أن الحقائق العلمية التي لا تكتشف في مختبرات العقل ولا من خلال عصر الذهن، وإنما تكتشف من خلال العمل والممارسة والجهد المتتابع الذي يتم تحت إشراف العقل المبدع) الذي يكون له الأثر الايجابي في فهم واقع الحياة ولا يكون العقل الإنساني مبدعا في كافة المجالات العلمية إلا عن طريق اكتساب المعرفة المادية وإن أراد الإنسان السعادة في الدارين عليه التزود بالمعرفة الروحية أيضا والتعلق بحبلها العاصم من الظلال والانحراف الفكري ولا يتأتى ذلك إلا من خلال حشو الذهن بالغذاء الفكري بالثقافة المعنوية والمادية.
إن القراءة الهادفة ضرورة حتمية لرقي الأمم، وازدهارها؛ فهي تعتبر أداة من أدوات المعرفة ونشاط الفرد الذهني لكي يكتشف خبايا المكتوب في أمهات الكتب العلمية من خلال القراءة واستنطاقه وتحليله للوقائع سواء أكانت تاريخية أو فكرية أو فقهية...وكذلك من مزايا الغذاء الفكري تفكيك رموز العلم من خلال التجارب العلمية في المختبرات ومعامل التجارب والبحث والتأويل عما هو غير مكشوف.
والغذاء الفكري أهم وسيلة لتزويد الناس أجمعين بالثقافة الحية والعلوم الكثيرة، وهي من الحاجات الضرورية للمنافسة العلمية، ومقياس تطور الحضارات وازدهارها، وتعتبر القراءة أيضا وسيلة لاستغلال الوقت الذي يتمتع بها بعض الناس فيجنون منه الفائدة والمتعة الحقيقية للنهوض إلى الأمام. لذا يجب على القاريء الجاد في قراءته كيما يكون له غذاء فكريا ناضجا؛ أن يتمتع بالبصيرة الثاقبة في الفهم وإدراك الأمور صغيرها وكبيرها؛
وذلك بحبه للإطلاع الشامل في المعارف المختلفة فلا بد له إذا ان كان محبا لذلك مثابرا بالجهد العظيم من اجل امتلاك (المرونة الذهنية لكي يتمكن من دمج المعلومات الجيدة التي يحصل عليها في أنساقه المعرفية المستقرة، كما يتمكن بسبب المستخلصات الجيدة من توسع اطر الفهم لديه؛ بل إن القاريء الممتاز يكون مستعدا لأن يستفيد من القراءة ما يمكنه من هدم بعض ما كان يظنه ثوابت فكرية، وإنشاء ثوابت جديدة.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي