قدم الدكتور محمد المبارك لكتاب «وجهة العالم الإسلامي» الذي ألّفه مالك بن نبي، بقوله: (ينتمي مؤلف هذا الكتاب الأستاذ مالك بن نبي إلى بلد عربي إسلامي عانى من تجربة الصدام بين المجتمع الأوروبي المادي والمجتمع الإسلامي العربي ما لم يعان بلد آخر، ـ كان ذلك خلال فترة استعمار فرنسا للجزائر تحت سمع وبصر العالم الذي يزعم الحضارة والقيام بحق الإنسان ـ، سواء في طول المدة أو قوة الصراع أو عمق الأثر. إن الجزائر تمثل هذه التجربة في نواحيها المؤلمة ومآسيها، وفي جوانبها المنتجة الموقظة المبشرة، كما أن المؤلف نفسه عاني هذه التجربة فكرياً ونفسياً كأشد ما يعانيها إنسان مثقف مرهف الشعور والحس.

ولعل قراءة الأستاذ مالك لا يعرفون أنه مهندس كهربائي تخرج من كبريات المعاهد الهندسية العالية في فرنسا، وسلخ من حياته أكثر من ثلاثين سنة عاشها في أوروبا، وكانت هذه السنون الطويلة الخصبة بالنسبة إلى رجل مثقف عميق الثقافة سبباً في إظهار ذاتيته، وإيقاظ الشعور في نفسه وفكره: أنه عربي مسلم، ليس هو من المجتمع الأوروبي الذي عاش فيه بجسمه في شيء، وكان تعمقه في الثقافة الأوروبية سبباً في تحرره من نفوذها، ومعرفته لمصادرها ومواردها، لدوافعها الخفية وبواعثها العميقة، ولاسيما أنه جمع إلى جانب الثقافة العلمية، ثقافة فلسفية واجتماعية واسعة الأرجاء، عميقة الأغوار، كما تدل عليه آثاره ومؤلفاته العديدة التي قرأناها.

والمهم في الأمر أن ثقافته هذه لم تكن ثقافة فكرية تقتصر على ساحة الفكر، ولكنها نضجت بحرارة المأساة التي كانت تعيش فيها الجزائر، مأساة الاستعمار والاستعلاء والسلب، واستخدام أرفع النظريات العلمية لأحط الغايات وأخس الأهداف. إلى أن يقول: إن طريقة المؤلف في كتابه هذا لا تقوم على سرد التفاصيل والحوادث، بل على تحليل عميق ـ أعانه عليه ثقافة قوية واطلاع واسع ـ لمراحل التاريخ، وسير المدينة وتطورها، وهو يقسم تاريخ المجتمع الإسلامي إلى ثلاث مراحل. أولاً: مرحلة الإسلام الأولى في دفعته الإيمانية الحية، وهي أقوي هذه المراحل في حيويتها وقوتها الدافعة وخصبها، وتنتهي في معركة حنين.

وثانيتها: مرحلة المدينة الإسلامية، وهي مرحلة التفكير والازدهار الحضاري، وتنتهي بسقوط دولة الموحدين. وثالثتها: مرحلة الجمود والانحطاط، ويصف كل مرحلة من هذه المراحل وصفاً تحليلياً عميقاً، ويخص المرحلة الأخيرة بالعناية لأنها المرحل التي لا تزال تعيش في رواسبها وآثارها، ولأنها تمثل في نظره الصائب: (مرحلة القابلية للاستعمار)..!!

وهو إذ يصل بتحليله التاريخي إلى هذه النقطة يلتفت إلى العالم الأوروبي فيستعرض نشأة حضارية وصفاتها الأساسية العميقة التي ترتد إلى عهد بعيد، ويرجع بصفاتها إلى بيئتها الزراعية التي انبثقت عنها، ويسير معها في تطورها حتى يصل بها إلى العصر الحاضر، يذكر في خلال ذلك مناقبها وعيوبها والعناصر المختلفة التي تظاهرت على تكوينها:

من مادية منظمة تولدت من زراعة الأرض، إلى روحية غزتها من خارجها وسطوتها بالمسيحية القادمة من الشرق، التي انكمشت وتقلصت واصطبغت بصبغة الحضارة المحلية، إلى العقلية الديكارتية التي أثرت في التفكير الحديث أثراً عميقاً، إلي الصناعة الكبرى وما آلت إليه من ثورة في القيم والمفاهيم، وأنظمة الحكم والأخلاق..!

ثم يقابل المؤلف هنا بين الحلقتين الأخيرتين المتقلبتين من سلسلتي التطور في أوروبا وفي البلاد الإسلامية ويصف ما يكون من التقاء عالمين أحدهما حطت فيه المدنية رحالها، وتردت بردائه واتسمت بصفاته، وانتهت إلى عصر الاستعمار، وإلى المادية، مادية البورجوازيين (المتمولين) التي تجلت في الرأسمالية، ومادية الكادحين الفقراء (البروليتاريا) التي تجلت في الشيوعية وأما العالم الآخر (البلاد الإسلامية) فقد رحلت عنه المدنية بعد أن تركته هيكلاً فارغاً تجلى عليها لجمود في كل مرافقه، وركدت فيه تلك النفحة الإيمانية، واستبدل بها ألفاظاً جامدة جوفاء، حتى غدا هذا العالم كما وصفه المؤلف: قابلاً للاستعمار قبل أن يستعمر.

ويستثير الأستاذ مالك هناك تفكيرنا وحماستنا في آن واحد، وتتنبأ بحل جديد لهذه العقدة، ويبشرنا بمرحلة جديدة بدت طلائعها في انهيار الحضارة الغربية، حضارة الاستعمار والمادية، وفي استيقاظ العالم الإسلامي وفقاً لنظريته التي بسطها في أول كتابه في (دورات المدينة وانتقالها)، ويقف بنا أمام تحليل رائع لواقعنا ولحركاتنا الحديثة في التجديد والتقليد والإصلاح، كاشفاً عن سطحية بعض هذه الحركات والمظاهر التجددية، مشيراً إلى نواحي الأصالة والعمق في حركات الإصلاح والثورات الحقيقية من جهة أخرى.

ويرى كاتبنا الفيلسوف أن هذا العالم الإسلامي هو الذي يحقق الظروف النفسية لظهور (الإنسان الجديد( وأن رسالته في هذا العصر هو التوفيق بين العلم والضمير، بين الأخلاق والصناعة، بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، وأنه في منتصف الطريق إلى هذه الغاية، وأنه وإن كان يجب عليه بلوغ مستوى المدنية الحالية المادي باستخدام كل مؤهلاته على اعتياد النظام في العهد الذري الذي يسيطر عليه الفكر الصناعي العلمي سيطرة شديدة،

غير أن مهمته تظل روحية تقوم على التخفيف من حدة الفكر المادي والأنانية القومية. غير أنه يعتقد أن مركز الثقل في هذا العالم سينتقل من البحر المتوسط إلى آسيا، وأنه يتجه اليوم إلى جاكرتا مستفيداً من تلك النفحة الصوفية التي لا تزال سارية في العالم البوذي والهندوسي الذي يتصل به العالم الإسلامي في آسيا ويجاوره..!

ويخالف الأستاذ محمد المبارك فكرة الأستاذ مالك بن نبي، فيقول: (وقد أخالف المؤلف في نظرته هذه، ذلك أني على تقديري للنهضة الرائعة التي تبدو في إندونيسيا وبعض البلاد الآسيوية الإسلامية ـ أرى أن للعالم العربي مكانته ووظيفته الحيوية في قلب هذا العالم الإسلامي، وأنه أوتيا لقدرة على التوفيق بين القيم المادية والروحية، وإقامة التوازن بينهما، وأنه بحسن فهمه وتفهمه للغة القرآن ولرسالة الحياة الجامعة بين المقاييس المادية والروحية،

والجهد المادي والخلقي، ولا يزال محط الآمال والطموح وموضع الرجاء، دون أن ينقص ذلك من قيمة الشعوب الإسلامية الأخرى، ومن خصائص عبقريتها، ولو أن العالم العربي لا يزال وعيه لم يبلغ العمق المطلوب، لا يزال شعور الاضطلاع يحمل عبء مثل هذه الرسالة الحضارية الكبرى ضعيفاً خافتاً، ولكن القوى المحركة، والبواعث النفسية والدفقات الإيمانية لا تسير بسرعة منتظمة، بل بوثبات تتجاوز حساب الحاسبين وأعتقد أن الأستاذ مالك في كتابه «فكرة الإفريقية الآسيوية» يبدو أقرب لرأي هذا..

وعلى كل حال نستطيع أن نقول إن هذا الكتاب يكشف في مالك بن بني عن مفكر كبير احتل بسرعة فائقة مكانة اللائق في طليعة العالم العربي والعالم الإسلامي، وبرز بسلسلة المؤلفات الأخرى (الظاهرة القرآنية، مشكلة الثقافة، شروط النهضة...) جعلته رمزاً لهذه المرحلية الجديدة التي بدأناها: مرحلة التحرر الفكري، التحرر من الاستعمار، والنفوذ الفكري، والتبعية الثقافية،

مرحلة الاستقلال الحقيقي والشعور بالذات، والاضطلاع بالعبء، والثقة بالقدرة على البناء، والسير بركب الحضارة، بعد التحرر من رواسب عصر الأنماط والتشويه وقلب القيم، والفراغ الفكري والروحي، ومن الشعور بالنقص واحتقار الذات والإعجاب السطحي بمدنية أشرفت على نهايتها، وبدت عيوبها ونقائصها..!

وقد كان الدكتور عبد الصبور شاهين الأستاذ بكلية دار العلوم المصرية والداعية الإسلامي ترجمة مؤلفات الأستاذ مالك بن نبي كلها إلى العربية، حيث إنه يؤلف باللغة الفرنسية، فضلاً عن صداقته له، فتجده يقول في موسوعة أعلام الإسلام: والناظر إلى شخصية (مالك بن نبي) يجد أنها قد حسدت هذه المراحل كلها، فهو قد ولد عام 1905، إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، في مدينة (تبسه)، شرقي الجزائري،

وأمضى سنين تعليمه الأولى في المدارس الفرنسية، حتى حصل على الثانوية من مدارس قسنطينة، ثم شد الرحال إلى باريس، حيث التحق بكلية الهندسة، ليتخرج فيها مهندساً كهربائياً..! ولقد سألته ذات يوم عن السر في هذا التحوّل عن المهنة التي تخصص فيها إلى الاشتغال بالعمل الفكري فقال لي: نظرت فوجدت أن بلادي بحاجة إلى مهندس لأفكارها أكثر من حاجتها إلى مهندس كهربي.ويبدو أن مالكاً قد تخرج مهندساً في أواخر العشرينات من القرن العشرين،

وأنه أكب على دراسة العلوم الاجتماعية وقراءة المراجع التاريخية والأنثربولوجية، خلال الثلاثينات، كما كان قد درس مجموعة من أعمال المستشرقين حول الإسلام، وحول شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه اندمج في المشكلة الدينية، وكأنه كان يهيئ نفسه للقيام بدور الدفاع عن الإسلام، وتأكيد صدق الوحي القرآني، وهي القضية التي شغلت أكثر المستشرقين ليثبتوا عكسها. ولعل الدافع الأساسي الذي دفع مالكاً في هذا الاتجاه ما كان يكنه من إعجاب عميق بالشيخ عبد الحميد ابن باديس.. الذي كان يمثل العمق التاريخي الذي ينتمي إليه الشعب الجزائري، رغم محاولات الفرنسة المستمرة.