«لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، وكان الله سميعاً عليماً». تناولت هذه الآية جانباً من جوانب الأدب الإنساني، ولعله الجانب الخطير الواسع الذي تناط به المسؤولية أمام الله وبين الناس، وهو جانب الأقوال التي تجري على اللسان، فلئن كان للإنسان عقل يذوده عن الإسفاف، وفيه حياء يكفه عن السوء، فكثيراً ما يسبق لسانه عقله،
ويغلب طيشه حياءه، فتتهافت ألفاظه في غير تريث، ويكون خطؤه أكثر من صوابه، ويغيب عن وعيه أثر ذلك في علاقته بالناس، وسوء عاقبته فيما وراء دنياه. من أجل هذا عني القرآن بتوجيهاته الأكيدة التي تجنب السقطات اللسانية، وشدد نكيره على المنحرفين في القول بنحو الغيبة، والنميمة،
والغمز في الناس بما يشبه الغيبة كالإشارات، والاستفهام الذي يراد منه إثارة المعايب، وكشف ما يخدش الناس في سمعتهم، وكثيراً ما أفسح الرسول عن خطر اللسان حتى عجب البعض، وسأل عن مبلغ الأثر لما ينطقون به فقال صلى الله عليه وسلم : « وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟».
وكانت مهازل القول وسقطات اللسان ظاهرة من ظواهر الجاهلية، وأثراً من آثار الجفوة قديماً عند من لم تتسع بينهم الثقافة، ومن أسف أنها اليوم أكثر شيوعاً بيننا مع ما بلغته الثقافة من توسع. وتعليل ذلك أن الثقافة العلمية تعوزها القدرة العلمية، ثم الثقافة والقدرة يعوزهما معاً ألا يفسح الطريق للأسباب الفاسدة المزاحمة للتربية، والناقضة لأثرها الإيجابي في نفوس الناشئة وغير الناشئة.
وكان طبيعياً كذلك ألا يكتفي القرآن بالتوجيه إلى تجنب السقطات والتحذير منها، بل يعالجها فيما يعالجه من شؤون الناس، وأن يعلم الناس ما لم يعلموه، وأن يرتفع بهم عما يهبطون إليه من الأقاويل، فزجرهم في غير هذه الآية عن الهمز، والنميمة، والغيبة، والكذب ونحو هذا. ثم علمهم إجمالا أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول كيفما كان ذلك السوء، من كل ما لا يرتضيه الخلق الكريم، ولا يستقيم عليه الأمن بين الناس، أو يمس أى نظام مقبول اصطلحوا عليه.
وكل ما لا يحبه الله يكون عمله جريمة، وتكون نتيجته حساباً وعذاباً، وذلك هو القول الفصل وهذا إجمال قوي في التنبيه وإجمال قوي في التهديد بالعذاب. وإنما تعلق هذا الزجر بالجهر دون السر، لأن السر من خفايا النفس وبواطن الخاطر، وواضح أن الخواطر تنساب في خيال الإنسان، وتدور في أفقه الذهني دون محاولة في جلبها غالباً، ودون قدرة على دفعها والتخلص منها بتاتاً، ولا تعتبر عملاً ظاهراً يدركه الناس فيما يدركونه من شؤون المرء، ولا يكون لها مساس بأحد.
وإزاء ذلك لا يتعلق بها الحكم بأنها خير أو شر، وتجاوزتها المسؤولية فلا ثواب عليها ولا عقاب، ووقفت المسؤولية عند الجهر فقط دون السر. وثبت ذلك فيما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم : من أن الله تجاوز لأمته عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل. غير أن تجاوز المسؤولية لما تتحدث به النفس لا يمنع من تهذيب الباطن، والتوجيه إلى الخواطر الكريمة، فإن الخواطر مثار العزيمة، ولب العمل: خيراً أو شراً.
فاتجاه الإسلام إلى تهذيب الخواطر الباطنة دون محاسبة عليها يعتبر بناء للخلق، وتقويماً للشخصية، وتربية للضمير، حتى لا تكون الخواطر إيحاء شيطانياً يدفع بالمرء نحو المهالك ويحبب إليه المفاسد، فتصبح خواطره شروراً ومآثم على نفسه وعلى المجتمع. ووسيلة هذا النوع من التربية هي إصلاح القلب، واستمداد هديه وغذائه من جوانب القرآن وروضاته النافحة بنسمات الحياة، وروح الوجود في دنيا الناجحين.
وإذا تيسر لامرئ تذوق القرآن والتماس توجيهاته أمكنه أن يقتصد في خواطره، وأن يعدل في تفكيره، وأن يتخير في أحاديثه النفسية ويطرح كثيراً مما يساوره من الظنون، ويقترن بذلك إحساسه بيقظة الضمير، وشعوره في خلجاته الباطنة بأن مداركه نافذة لا تتعثر فيما كانت تتعثر فيه من غشاوات الخطايا. وكما تجاوزت المسؤولية خواطر النفس، وهذه فسحة كريمة من جانب الله سبحانه، فقد اتسعت هذه الفسحة الكريمة فأتاحت للمرء جزءاً طيباً على خواطره الطيبة إذا تركزت.
فإذا ما جالت في فكرته نزعة إلى الخير واعتزام القيام به ثم لم يفعله فهو مأجور على ذلك مع أنه لم يقل ولم يعمل. وفى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم « من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة » فنجد أن وسيلة التربية في نظر الإسلام بلغت من السمو مبلغاً عظيماً يعتبر غاية التلطف والسخاء فهو لا يدخل تحت المسؤولية خواطر السوء، ويقف بها عند الجهر به فقط لأنه عمل.
وهو يدخل في استحقاق الثواب خواطر الخير، ولا يضيق بالجزاء الحسن عليها، تشجيعاً على الخير من أوسع أبوابه، عدا ما كانت هذه الخواطر مستقرة في نفسه ولم تكن مجرد سوانح خيالية. ونعود فنقول: كره الله الجهر بالسوء من القول في كل شأن وربما في هذا التعميم صد عن شكاية المظلوم لظالمه، أو زجر عن إيضاح المصائب،
وذكر المساوئ حين يقتضي الأمر ذلك في مقام التربية وموقف الخصومة ولو فهم ذلك وقلنا لكان كبتاً للشكاية في صدر المهيض. وقد يستفزه الغيظ والكبت إلى الإسراف في ثأره وكان فيه كذلك تضييق على المربين في مجال التربية وعلاج النقائص، وكان فيه ثالثاً إغراء للمعتدين على الناس بالتمادي في عدوانهم إذا أمنوا ذكر عيوبهم وإفشاء مظالمهم، وكل ذلك ينافي ما قصد من التربية. ولهذا استثنى الله تعالى من كراهيته للجهر بالسوء من القول شكاية المظلوم من ظالمه « إلا من ظلم».
رجاء علي