في حديثنا عن قوة الكلمة وتأثيرها في تاريخ البشرية، نصل إلى رواد الإصلاح، وزعماء النهضة الحديثة، ومجددي الفكر الإسلامي، الذين حاولوا بكل طاقاتهم النهوض بالشعوب الإسلامية وكانت كلماتهم نوراً يهدي، ومشعلاً ينير الدرب، وروحا هائمة تبحث عن جسم الأمة لكي تتلبسه، وهتاف عميق للقلوب الشاردة والعقول الضالة، تشحذ هممهم، وتشد أذرهم وتعضد مساعيهم، وتدفعها دفعاً إلى طريق المستقبل، وتحدد خطوات النهضة إلى المرتقى الصعب وذرى المجد وآفاق البطولة.

هذا ما رأيناه في كلمات جمال الدين الأفغاني (ت1897م) وأقواله، وشخصه، إذ كان يعد رائداً من رواد اليقظة العربية، وحاملاً مشعل التنوير بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، وأحد محركي الهمم في الشعوب العربية الإسلامية، وموقظاً الجماهير من سباتها العميق، وأحد الرجال الذين وهبوا حياتهم للدفاع عن الأمة وعقيدتها وأفكارها.

وقف ضد الاستعمار وهو في عنفوانه، ومده الكاسح بكل ما يملك من صحة وقوة وما استطاع من طاقة، مظهراً ألاعبيه السياسية وأطماعه الاقتصادية، وحيله في السيطرة على مقدرات الشعوب. فالأفغاني أحد الرجال الأفذاذ الذين يجود بهم الزمان على فترات طويلة، وتبعثهم العناية الإلهية لكي يجدون شباب الإسلام، ويرفعون مبادئه، ويحيون مواته، ويعيدون سيرته الظافرة الأولى،

ومن ثم جاء الأفغاني في منتصف القرن التاسع عشر يعبر عن العقل العربي المسلم في طوره الجديد وإقدامه الزاحف يستشرف بكلماته عصراً جديداً من الآمال والأحلام. وعلى الرغم من أن تأثير كلمات الأفغاني وقوة أفكاره التي حركت همم الشعوب الإسلامية وأيقظتها إلا أن تأثيره الأكبر كان في مصر، إذ أقام فيها بعد عودته الثانية إليها ـ أكثر من ثماني سنوات شمر فيها عن ساعد الجد وبدأ حركته التنويرية الخصبة متمثلاً ذلك في الدعوة إلى رفض التقليد وفتح باب الاجتهاد،

والشك في قيمة الأفكار الموروثة عن القدماء والآباء والأجداد، ورفض الأفكار السائدة في المجتمع، والدعوة إلى مسايرة أفكار العصر واستخدام المصطلحات الجديدة في الحرية السياسية والعدل الاجتماعي، والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، والمطالبة بأعمال العقل في النصوص، وتأويلها بما يتفق وقضايا العصر ووضعها تحت سلطان القواعد المنطقية، والحجج العقلية، وإثارة الوعي عند الجماهير المسلمة، ودعوتهم إلى الثورة على الأوضاع البالية، والحكومات الظالمة.

لقد ظهر تأثير الأفغاني بعد أن شارك في الحياة العملية والعلمية من خلال حلقات التدريس التي أقامها لجموع الطلاب الوافدة إلى الأزهر في بيته، وتلخصت هذه الدروس في المعارف الجديدة، والعلوم التي لم يكن يعهدها طلاب الأزهر وقتذاك، ونعني بها علم الكلام والفلسفة والمنطق، وربما لم تكن القيمة الحقيقية لهذه العلوم بقدر ما كانت تكمن في المنهج الجديد الذي ابتكره.

إذ كانت دروسه منارة للعلم، وكان هو بمثابة الرجل الأسطورة القادم من الشرق محملاً بأسرار الحكمة وكنوز الفلسفة، وعبق الشرق الساحر الغامض، لقد ركز أول ما ركز على محاربة البدع والأوهام ونبذ الخرافات التي انتشرت في أرجاء العالم الإسلامي، والعمل على تحرير العقل العربي من إساره ففك أغلال الجمود والانحطاط، التي رانت عليه، ودفعه إلى الإبداع والخلق، وفهم النصوص في ضوء معطيات العصر، وأسس المنطق وقوة العقل. (للحديث بقية)

د. محمد الزيني