لقبه آية الله علي خامنئي مرشد الثورة الإسلامية في إيران بـ «زجل القرآن»، ومنحه الرئيس المصري حسني مبارك وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، كما منحه حاكما سوريا والعراق وسام الاستحقاق الديني ووسام الرافدين من الدرجة الأولى، إنه القارئ الشيخ أبوالعينين شعيشع أول من سجل القرآن الكريم على أسطوانات وابن محافظة كفر الشيخ الذي تمكن من حفظ كتاب الله كاملاً في العاشرة من عمره، واجاد تلاوته بصوته الملائكي على مدى ستين عاماً.. ولد الشيخ «أبو العينين شعيشع» هو أحد سفراء القرآن في عام 1922 بمدينة «بيلا» محافظة كفر الشيخ في أسرة كبيرة العدد وكان الابن الثاني عشر لهذه الأسرة وعائلها الوحيد بعد وفاة والده.
التحق بكتاب «بيلا» وهو في سن السادسة وتمكن من حفظ القرآن الكريم كاملاً في العاشرة من عمره، بعدها التحق بالمدرسة الابتدائية وكان حريصاً على متابعة مشاهير وعمالقة قراء القرآن الكريم، وعمد إلى تقليدهم في كثير من الأحيان، ساعده في ذلك قوة صوته وروعة أدائه التي جذبت انتباه مدرسيه وناظر مدرسته فحرصوا جميعاً على تشجيعه والاستماع إلى تلاوته العطرة أمام الضيوف والمسؤولين في كثير من المناسبات الدينية التي كانت تنظمها المدرسة، بالإضافة إلى قراءته اليومية أمام التلاميذ في طابور الصباح اليومي.
ولأن الطفل «أبو العينين» في ذلك الوقت كان شديد الالتزام والاعتزاز الفائق بنفسه، حريص على تصرفاته التي كانت تبدو أحياناً صادرة عن رجل كبير لا عن طفل في العاشرة، تنبه لذلك كله ناظر مدرسته ونصح والدته بحمل ابنها إلى أحد علماء القراءات والتجويد لتعليمه أصول القراءة الصحيحة للقرآن الكريم لعل ذلك ينفعه في الدنيا والآخرة .
ولكن الخير عاجل الأسرة الصغيرة وتمثل في دعوات كثيرة من كل القرى والمحافظات المجاورة تطلب القارئ الصغير الذي اشتهر بين الناس بصاحب الصوت العذب الرنان والقوي وبدأ الناس يعرفون ذلك الطفل الصغير الذي لم يفوت فرصة واحدة للاستماع إلى قراءة القرآن في قريته الصغيرة وخاصة في سرادقات العزاء التي يقيمها أهل المتوفي لاستقبال عزاء الأقارب والجيران،
وكان الطفل الصغير يظل حتى نهاية السهرة، في مكان بعيد عن الأنظار ويطرب وجدانه بالاستماع لآيات القرآن الكريم التي يلقيها القارئ خارج السرادق .. حتى يغلبه النوم فيحمله أهل البلدة إلى أمه التي حاولت منعه كثيرا من السهر خوفاً عليه ولكنه كان في كل مرة ينجذب بقوة تجاه القرآن الكريم ويشعر بإحساس غامض يشده إليه ويغزو أحاسيسه ووجدانه .
وفي عام 1936 جاءت الشيخ «شعيشع» دعوة من قبل مديرية محافظة الدقهلية يطلبه المحافظ خلالها لإحياء حفل ذكري الشهداء بمدينة المنصورة، وبالفعل لبى «أبو العينين» دعوة المحافظ وقرأ القرآن الكريم أمام أربعة آلاف شخص حضروا الاحتفال، واستطاع وهو ابن الرابعة عشرة أن يتخلص من هيبة الموقف متسلحاً بقوة القرآن التي يستمد منها ثقته بنفسه لتنهال بعدها عبارات الثناء والإكبار من قبل المحيطين به وليعلن هذا الاحتفال بدء مرحلة جديدة في حياة الطفل الرجل أبي العينين شعيشع.
نقطة تحول
أصبح «أبو العينين شعيشع» حديث الناس كلها بعد احتفال الشهداء في مدينة المنصورة مما شجع أحد أقربائه على اصطحابه معه في عزاء الشيخ الخضري شيخ الجامع الأزهر حينذاك والذي أقيم في القاهرة، وطلب منه قراءة القرآن أمام المعزين في سرادق العزاء وبالفعل بدأ الشيخ «شعيشع» في التلاوة العطرة التي جذبت الناس من الشوارع المجاورة وتزاحم الجميع للاستماع لهذا الصوت الساحر الجميل ..
وبعد ساعة وجد الشيخ «أبو العينين» نفسه واقفا وسط طوفان من البشر اصطف لمصافحته تشجيعاً له وإعجاباً بتلاوته وبعد انتهاء العزاء تقدم منه الشيخ «عبد الله عفيفي» إمام القصر الملكي آنذاك وطلب منه التقدم للإذاعة لأنه يتنبأ له بمستقبل باهر في مجال قراءة القرآن ووعده بمساعدته في مقابلة «سعيد باشا لطفي» مدير الإذاعة حتى يعتمده كأحد القراء المتميزين هناك وأمام اللجنة المكونة من الشيخ «مأمون الشناوي» والشيخ المغربي والشيخ إبراهيم مصطفي والإذاعي «علي خليل» قرأ الشيخ «أبو العينين شعيشع» لمدة نصف ساعة متواصلة ما تيسر له من القرآن الكريم وسط نظرات الإعجاب المحيطة به،
ولم تمض سوى أيام قليلة حتى وصله خطاب الاعتماد الرسمي كقارئ للإذاعة المصرية وكان يقرأ القرآن ويؤذن للصلوات على الهواء مباشرة، وبدأت شهرته تعم البلدان العربية والأجنبية وتحقق الحلم الذي طاف بخياله كثيراً منذ كان طفلاً صغيراً.. حلمه بأن يكون قارئا بالإذاعة له نفس شهرة الشيخ «محمد رفعت» والشيخ «الشعشاعي». وبعد التحاقه بالإذاعة جاءته كثير من الدعوات لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك في بلدان العالم العربي والإسلامي،
كما طلبته دولة فلسطين ليكون قارئاً بإذاعة الشرق الأدنى ومقرها في «يافا» وبالفعل سافر الشيخ إلى فلسطين لمدة ستة شهور. وكان يفتتح الإذاعة يوميا ويختتم إرسالها بتلاوة القرآن، وفي يوم الجمعة، ينتقل إلى القدس للتلاوة في المسجد الأقصى، بعدها عاد إلى القاهرة مع نوابغ القراء كالشيخ «رفعت» والشيخ محمد سلامة.
إلي العراق ودول أخري بناء على رغبة القصر الملكي العراقي الذي أرسل إلى السفارة المصرية يطلب فيها القارئ الشيخ «أبو العينين شعيشع» لإحياء مأتم الملكة «عاليا» ملكة العراق سافر الشيخ إلى بغداد واستقبله أهل البلد كاستقبال الملوك والرؤساء وأقام أسبوعاً حصل في نهايته على وسام الرافدين الذي قدمته له الحكومة العراقية وودعه المسئولون في البلاط الملكي العراقي كما استقبلوه رسمياً وكانت رحلة خالدة في حياته،
كما كانت سبباً في إعجاب العراقيين بالشيخ «أبو شعيشع» وحسن تلاوته لذلك أرسلوا له مرة أخري لإحياء مأتم الأميرة «جليلة» شقيقة الملكة «عاليا» بعد خمس سنوات من وفاة الملكة. وعلي الرغم من المناسبة الحزينة التي عاشتها البلاد في ذلك الحين لم ينس القصر والمواطنون تكريمه كأحد الشيوخ البارزين وكعملاق من عمالقة القراءة عبر الأزمان.
أوسمة ونياشين ولم يكن هذا التكريم سوي شيء بسيط في حياة الشيخ «أبو العينين» فلقد حصل طيلة حياته العامرة بذكر الله الكريم على العديد من الأوسمة والنياشين وشهادات التقدير في مناسبات كثيرة كرمته فيها الشعوب الإسلامية تقديراً وإعزازاً لهذا القارئ المتميز، وكلها شهادات ومناسبات تحمل في طياتها معني التقدير والاعتراف بقدره وبتاريخه الحافل..
فمن سوريا حصل على وسام الاستحقاق وعلي وسام الأرز من لبنان ووسام آخر للاستحقاق من فلسطين بالإضافة لأوسمة تقدير من تركيا والصومال وباكستان والإمارات وبعض الدول الإسلامية .. وأخيراً حصل على وسام الامتياز من الطبقة الأولى أهداه له الرئيس المصري «محمد حسني مبارك» بالإضافة لإطلاق اسمه على أحد الشوارع بالقاهرة وبمدينة كفر الشيخ حيث ولد، هذا بالإضافة لتوليه العديد من المناصب المهمة والرفيعة الشأن كنقيب قراء جمهورية مصر العربية،
وعميد المعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم وعضو لجنة اختيار القراء بالإذاعة والتليفزيون، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضو اللجنة العليا للقرآن الكريم بوزارة الأوقاف وعضو لجنة عمارة المساجد بالقاهرة، هذه المناصب رشحته للسفر إلى العديد من دول العالم ليقرأ بأكبر وأشهر مساجدها، كالمسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بفلسطين،
والمسجد الأموي بدمشق ومسجد المركز الإسلامي بلندن، ومنّ الله على الكثيرين بنعمة الإسلام وكانوا ممن درسوا على يديه أحكام القرآن وتلاوته، كما سافر إلى جميع الدول العربية ليقرأ فيها كلام الله سبحانه وتعالي بصوته الملائكي العذب على مدي ستين عاماً أو يزيد، فتنقل بين العراق وسوريا واليمن والسعودية والمغرب وتونس وفلسطين والسودان وتركيا وأميركا وإنجلترا وفرنسا ويوغسلافيا وموسكو وهولندا وأسبانيا وإيطاليا ومعظم دول شرق آسيا.
وتتعدد محطات السفر في ذاكرة الشيخ «شعيشع» وخاصة لدولة إيران، حيث يصفه المقربون منه بأنه سفير مصر القرآني إلى إيران وعن ظروف سفره قال الشيخ «الشعشاعي»: جاءتني دعوة من الحكومة الإيرانية لإحياء بعض الليالي القرآنية لمدة شهر
