تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة الدول التي تشهد نهضة عمرانية كبرى، في إطار مشروع حضاري متكامل، يقوم على الانطلاق قدماً نحو التنمية والتحديث، من دون أن يعني هذا التخلي عن مجمل القيم والأعراف والتقاليد التي ارتبط بها أبناء الإمارات، وتمسكوا بها، على امتداد تاريخهم. وفي إطار هذه النهضة العمرانية، تمتد تحت آفاق الإمارات إنشاءات لا حصر لها، تجمع بين استلهام التقاليد المعمارية والانطلاق إلى تجسيد أفكار الحداثة وما بعد الحداثة، في ساحة الإبداع المعماري.
لكن الاختيار في مجال العمارة المسجدية يتخذ خصوصيته التي تفرض المزيد من التدقيق في تبني المفاهيم والمفردات والتجليات المعمارية . في هذا النوع من العمارة يؤدي ثقل الماضي، المتراكم عبر الممارسات المعمارية المتوالية، إلى إثارة مشكلات حقيقية أمام المعماريين، في تقديم عناصر الاستمرارية والتغيير في تصميم المساجد المعاصرة.
أمام هذه المعضلة المتعلقة بتحقيق التوازن بين النزعة الرمزية في المفردة المعمارية والنطاق والمواد المستلهمة من الماضي، فإن بهاء الماضي يعطي للتصميمات ذات الاحالات القديمة جاذبية لا تقاوم، حيث عناصر الألفة والقدرة على التواصل مع المصلين، ولكن التحدي يظل مع ذلك قائما، ولا ينقصه العمق ولا القوة.
جوهر هذا التحدي هو أن الكيانات الحضرية الجديدة تقتضي من المصمم إيجاد روابط مجتمعية أقوى بين عمارته المسجدية وبين المجتمع الذي نشأت على أرضه هذه العمارة. وأول العناصر التي يستعين بها المصمم في مواجهة هذا التحدي يتمثل في اللغة المعمارية المشتركة، ثم يأتي الدور الفريد لخيال المصمم في العودة إلى الماضي لاختيار المفردات المعمارية.
لا حصر للمرات التي اختار فيها معماريون كبار العودة إلى ثلاثة تقاليد معمارية محددة، وهي التقاليد المملوكية، والعثمانية، والمغربية وامتداداً الاندلسية. لكننا في حالة مسجد الراشدية الكبير بدبي، الذي أقيم عام 1969، والذي تشرف عليه دائرة الأوقاف، أمام شيء مختلف تماما، أمام إحالة بصرية فريدة، ونادرة، وجديرة بالتوقف عندها طويلا.
هذا التصميم الراسخ، المكين، لمسجد الراشدية الكبير، يعيد إلى ذاكرتنا الحقيقة القائلة إن جوهر الامتداد التاريخي للعمارة على أرض الإمارات يمر عبر بعدين محددين. البعد الأول هو العمارة كما عرفتها سلسلة المناطق الحضرية على امتداد ساحل الخليج. والبعد الثاني هو العمارة بحسب ما انتقلت إلى أرض الإمارات من الداخل الصحراوي، من قلب شبه الجزيرة العربية.
مسجد الراشدية الكبير يستلهم، في الجانب الغالب منه، تقاليد عمارة الداخل الصحراوي، بصفة أساسية، ويستحضر في الوقت نفسه مفردات معمارية أخرى تتكامل مع هذه التقاليد، وتندمج معها. هذه المآذن القوية التي تكاد تكون مدماكاً يتحدى الزمن في رحلة الصمود تتكامل في كتلة نحتية قوية وراسخة، تعيد إلى الذهن صمود العمارة النجدية في مواجهة مؤشرات المناخ الصعبة والقاسية، من دون ان تفتقر إلى جماليات نحتية في قمتها.
القباب هي وليدة تقاليد المنطقة المعمارية بامتياز، فهي تؤدي وظيفتها الدلالية، وهي تدع الضوء يتدفق إلى بيت الصلاة، لكنها لا تدعي لنفسها ارتفاع القباب المملوكية، ولا مبالغات قباب وسط آسيا، ولا التكوين البصلي لقباب شبه القارة، وإنما هي تتكامل مع المآذن وكتلة بيت الصلاة في تأكيد عناصر القوة والتماسك والصمود. المشروع الزخرفي هو ابن هذه الأرض بامتياز، فهو حاضر بلا افراط ولا إسراف ولا مبالغة، تراه ماثلا في الحشوات وفي الجص وفي الخط وفي المقرنصات وفي الزخارف الهندسية، لكنه الحضور الرقيق، الذي يمس القلب، من دون أن يخطف البصر.
كامل يوسف


