أكد د. مصطفى الشكعة المفكر الإسلامي، أن محو الهوية الإسلامية من جذورها هدف أصيل لدى الغرب، وإذا كنا نريد الوقوف بقوة أمام ذلك فعلينا أولاً الالتزام بقيم وأحكام الدين الإسلامي الحنيف. وقال: إن وجود المذهبية في الإسلام لا يؤثر على صورته ولكن كل ما نخشاه أن ينجرف المسلمون وراء بعض المذاهب التي يمكن أن نطلق عليها وصف منحرفة. وأشار إلى عالمية الدين الإسلامي كنموذج حضاري متجدد يمكن تطبيقه في أي زمان ومكان بخلاف العولمة كنموذج غربي يصعب تحقيقه على أرض الواقع في بقاع كثيرة من العالم لأنها تتعارض مع الاختلافات الطبيعية بين البشر.

وأوضح الشكعة في حواره لـ (وكالة الصحافة العربية ) أن الحياة الأدبية لا يمكن فصلها عن المشكلات التي تواجه الأمة الإسلامية باعتبار أن الأدب قادر بالفعل على مواجهة التيارات المعادية فكرياً للحضارة الإسلامية.

* ما تفسيركم لاعتبار الغرب الإسلام مرادفا للإرهاب؟ ـ الغرب لا يعرف الإسلام على حقيقته ، فهم يجهلون العقيدة الإسلامية وسماحة الإسلام ، فكل ما يعرفونه عن الإسلام مجرد بعض الرتوش المغلفة بالافتراءات بما يمهد الطريق أمام بعض المتعصبين الغربيين لتشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب ،

بينما إذا عرفوا حقيقة الإسلام لما وزعوا الاتهامات يميناً ويساراً ضد المسلمين بدعوى قيامهم بالأعمال الإرهابية الأخيرة، فالمسلم الحق هو من يعترف بالرسالات الأول وعلى رأسها المسيحية ، بينما إذا تمحص الغرب في الأمر جيداً لوجدوا أن اليهود هم المستفيدون الوحيدون من هذه الأعمال ، فالإسلام دين يحافظ على العهود ، ولا يكره أحداً من غير المسلمين على اعتناقه ، أما اليهود فيناصبون الجميع العداء وعلى رأسهم المسيحية ، وهذا ما يظهر في بروتوكولات حكماء صهيون ، لذلك أرى أنه من الخطأ أن يتخوف الغرب من الإسلام ويضعه في مصاف الأعداء ، فالإسلام لا يدعو إلى مخاصمتهم ، وعلينا أن نصوب هذه الأخطاء التي دسها اليهود والنصارى المتعصبون على الإسلام.

* كيف يمكن مواجهة الغزو الثقافي الذي يقوم به الغرب للقضاء على الحضارة الإسلامية؟ ـ الغرب هدفه محو الهوية الإسلامية من جذورها لدى المسلمين والعرب ، والهوية الإسلامية كما نعلم تتمثل في الأركان والقيم الإسلامية الغراء التي إذا تخلينا عنها لن تقوم لنا قائمة بين الأمم ، وعليه يمكن القول أنه لابد من التمسك بالهوية الإسلامية التي لابد من إعلانها في البلدان الإسلامية والتعريف بها في الخارج من خلال تعامل المسلم بسماحة الإسلام مع أشد الناس عداوة للإسلام حتى لا تقع مرة أخرى أمام هذه الهجمات.

عالمية الإسلام

* كيف ترى عالمية الإسلام كنموذج حضاري مقابل النموذج الغربي المتمثل في العولمة ؟

ـ الإسلام دين عالمي بما لا يدع مجالاً للشك ، فالإسلام موجود في كل ركن من أركان الكرة الأرضية والمساجد التي يعبد فيها الله تملأ الدول غير الإسلامية ، أما العولمة فهي صعبة التحقيق لأنها تتعارض مع الاختلافات الطبيعية والتفاوتات بين الشعوب واللغات والأعراف والعادات والتقاليد التي تميز شعباً عن الآخر ، كما يقول الله سبحانه و تعالى «يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» فكيف تتحقق هذه العولمة التي يدعون لها مع كل هذه التباينات بين الأمم ، لذلك لا يجب أن نتخوف من هذه العولمة التي لن تستمر طويلاً لأن استمرارها يتنافى مع طبيعة الكون.

أما عالمية الإسلام فهي محققة بما قدمه الإسلام على مر العصور من خدمات جليلة للإنسانية جمعاء ، فمن ينكر اكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية قديماً وأحمد زويل حديثاً للفمتوثانية ، فعالمية الإسلام تتحقق ويتم اذكاؤها بتوضيح المعجزات التي يضمها القرآن الكريم والتي أدى التحقق من حدوثها إلى إسلام الكثيرين من العلماء ، لذلك أطالب بتسليط الضوء إعلامياً أكثر على معجزات القرآن الكريم لتوضيح أنه الدين الحق مهما تعرض لهجمات باطلة.

* هل تعطي الاختلافات المذهبية فرصاً للغرب للهجموم على أحد جوانب الإسلام ؟ ـ الخلافات المذهبية لا تهم غير المسلمين وليس لها أي تأثير على صورة الإسلام لدى الغرب ، لذلك فكل ما يهمنا تصفية هذه الخلافات وبعد أن ننتهي منها ونصبح أمة واحدة يمكننا أن ننظر إلى الخارج.

* لكم اعتراض تبدونه دوماً على المذهبية في الإسلام، لماذا ذلك ؟

ـ أنا لا أقصد بذلك المذاهب الأربعة ، ولكن المذاهب الأخرى الموجودة في الإسلام ، فالإسلام ليس بالدين المجزأ بل هو أحكام القرآن الكريم ، وما جاء بالسنة النبوية «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ، كتاب الله وسنتي» ، فالكتاب والسنة هما الإسلام ، لكن هناك من أصحاب المذاهب من بالغوا بل وتطرقوا في بعض الجوانب ومن انتقصوا من جوانب أخرى، لذلك اعتبر هذه المذاهب مذاهب منحرفة.

* وكيف لنا أن نعيد هذه المذاهب لإطارها الإسلامي الصحيح ؟

ما يهمنا في المقام الأول هو عدم انحراف المسلمين لمثل هذه المذاهب التي تخرج عن صحيح الدين الإسلامي ، فإذا عرف المسلمون أن هذا المبدأ منحرف لن ينجرفوا إليه ولن يشغلوا أنفسهم بالرد عليه والدخول في مهاترات لا طائل منها إلا إذا ثبت لديهم نيه صادقة في الاقلاع عن هذه الانحرافات ، فنحن نتحاور مع أصحاب هذه المذاهب المنحرفة ولكن دون جدوى ، لذلك سنظل على عدم الاعتراف بهم ماداموا يتمسكون بأفكارهم المنحرفة التي خرجوا بها على صحيح الدين وثوابته ، ونحن لا نكفر أحداً وإنما نتحدث وفق ما يقوله كتاب الله وسنة رسوله دون أن نفتش في الضمائر والقلوب.

* في رأيكم هل يمكن أن يؤدي الأدب دوراً في مواجهة أعداء الإسلام ؟

ـ لا يمكن أن تنفصل الحياة الأدبية عن المشكلات التي تواجهها الأمة والإسلام ، فالأدب العربي في مختلف العصور يبحث في المشكلات من خلال كافة النوافذ الأدبية ومن ضمنها الفلسفة أيضاً ، لذلك أرى أن الأدب إذا لم يكن في خدمة المجتمع فهو بذلك يتخلى عن وظيفة رئيسية له ، وهو قادر على مواجهة التيارات المعادية للفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية بما يملك من مفكرين وأدباء قادرين على تطويع كتاباتهم للرد على المزاعم المناوئة للإسلام في صورة أدبية رشيقة تقرب هذه المفاهيم وتوضحها بما يخدم الإسلام ويدحض الافتراءات التي توجه لديننا الحنيف.

* هناك اعتراض من جانب البعض على صداقتك للمستشرق الفرنسي جاك بيرك نظراً لكتاباته المغلوطة عن الإسلام؟

ـ جاك بيرك وقع في المحظور دون أن يدري فقد تعرض لترجمة القرآن الكريم دون أن يؤهل نفسه جيداً لمثل هذا العمل الخطير وأعطى لنفسه حرية كبيرة في ترجمة بعض الآيات القرآنية فخرجت الترجمة خاطئة ، كما تعرض أيضاً لترجمات التراث مثل المعلقات الشعرية ، ولكنه في النهاية خرج لنا بأشياء رائعة دون أن تكون معلقات ، فأنا أحسب لجاك بيرك محاولته وأحسب له خطأه في المحاولة ، أما عن إلصاق اسمي به فهو شرف لي فقد كنا أصدقاء وأنا لا أنكر إطلاقاً هذه الصداقة الجميلة التي كانت بيننا.

تراث إسلامى

كيف يمكن لنا كأمة إسلامية أن نحافظ على التراث الإسلامي؟ للحفاظ على التراث الديني وهو إحدى ركائز التراث الثقافي الذي لابد من الحفاظ على شعائره من صلاة وصوم وزكاة في أي مكان في العالم والتأدب بآدابه والابتعاد عن البدع وتدريس علومه ببساطة ووضوح بعيداً عن التشدد ،

أما اللغة فهي مهمة جداً في التراث الثقافي ولابد من الحفاظ عليها بتدريسها للنشء دون تشويه والابتعاد عن العامية وعندما يتم تدريس اللغات الأجنبية يتم تدريسها من خلال كونها لغة وليست ثقافة ، وبالنسبة للتراث الحضاري فهو منجزات حضارتنا الإسلامية في اللغة مثلاً كالشعر والنثر والقصص والفكر الفلسفي والديني وخلافه ، وللحفاظ عليه لابد من الاعتزاز به أولاً وتدريس منجزات هذا التراث الحضاري دون رتوش وتشجيع اجراء الدراسات على منجزاته.

نبوغ علمي

* مع التطور العلمي والتقني الرهيب في الغرب ، هل ترى أن أمتنا الإسلامية لا تزال قادرة على ملاحقة هذا التطور العلمي؟

ـ قابلية العلم والنبوغ والابداع صفة أصيلة في أمتنا وفي إسلامنا بصفة عامة ، فديننا الحنيف يواكب كافة العصور ، وعقول أبنائنا متفتحة ، ولكن يعوقها التنظيم والإدارة الموجودان في الخارج بصورة أفضل ،

فإذا نظرنا إلى أهم المجالات العلمية نجد أحمد زويل ملك الكيمياء بدون منازع ومجدي يعقوب عبقري جراحة القلب وزرع الأعضاء فهذه الأسماء اللامعة لابد وأن تطمئننا على قابلية العلم والنبوغ لدى أمتنا الإسلامية ، فالإسلام يحث على العلم ، كما أن من يموت في سبيل العلم فهو شهيد في الإسلام ، ولا تزال كتب علماء المسلمين الأوائل تدرس في جامعات الغرب وعلى رأسهم ابن سينا والكندي والرازي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس وأبو يونس المصري وجابر بن حيان والخوارزمي وغيرهم ، الذين شيدوا علوم الدنيا وأهدوا الإسلام والبشرية خدمات جليلة.

* كيف ترى إذاً السبيل لتأصيل التعاون الثقافي في العالم الإسلامي؟

ـ لابد أولاً من خلق الأخوة بين المسلمين لتكن واقعاً معاشاً فهي الأساس الذي نستطيع من خلاله تعزيز التعاون بين المسلمين في مختلف المجالات وليس المجال الثقافي فقط ، فالإسلام يحث على طلب العلم ويحث أيضاً على الأخذ بمبدأ أخوة المسلمين ، فيقول الله تعالى «إنما المؤمنون أخوة» فإذا ربطنا بين هذين المبدأين الإسلاميين لاستطاع المسلمون أن يبلوروا حياتهم الثقافية الخاصة التي تخرج عن إطار التقليد ومحاكاة الغرب وتعزز من مفاهيم التضامن السياسي والتقارب الفكري والوحدة الاقتصادية وهي مفاهيم نتمنى تحقيقها بين المسلمين ،

فإذا بدأنا بتحقيق الأخوة الإسلامية لأصبحنا أمة صعبة الاختراق أو التغلب عليها أو الانفراد بأحد أعضائها كما حدث منذ سنوات في البوسنة والهرسك وبعده في الشيشان وفي العراق وفي أفغانستان دون أن يكون هناك أدلة دامغة على تورطها في الهجمات الإرهابية التي وقعت بالأراضي الأميركية مؤخراً.

* ازدادت الهوة اتساعاً بين الأغنياء والفقراء في الآونة الأخيرة ، كيف يمكن تقليل هذه الفجوة من وجهة النظر الإسلامية ؟

ـ التكافل الاجتماعي من المبادئ الإسلامية التي يحرص عليها الإسلام فديننا الحنيف يلزم الدولة بكفالة العاجزين عن الكسب لأي ظرف كان سواء لمرض أو خلافه ، بل إن عمر بن الخطاب قرر نفقة من بيت مال المسلمين لأحد المعوزين من غير المسلمين والذي شاهده عمر بن الخطاب في الطريق يتسول من المارة وقال له :

ما انصفناك إذ أخذنا منك الجزية وأنت شاب وتركناك تتسول وأنت شيخ ، فالإسلام يسعى لتضييق هذه الهوة بين الناس حتى لا تزيد الأحقاد في صدور المعوزين تجاه الأغنياء لذلك فرض الإسلام الزكاة من أجل إصلاح المجتمع الإسلامي والاهتمام بالفقير والطفل اليتيم والمرأة وكفالتهم جميعاً وفتح منافذ كثيرة للإنفاق عليهم فجعل مثلاً الكفارة التي يؤديها المسلمون عن الخطايا بالتصدق على الفقراء وهذه هي سماة الإسلام السمحة