المهلب بن أبي الصفرة قائد حكيم مُظفّر، وصاحب فضل في الخلاص من الخوارج الذين منيتْ بهم الأمة. وكان في عصر الخليفة عبدالملك بن مروان ويتعامل مع الحجاج بن يوسف، وكان له مع الحجاج مواقف كثيرة كان عبدالملك ينتصف له فيها من الحجاج.
وفي إحدى أمسيات رمضان بمجلس الرشيد ورد ذكر المهلب كقائد من قواد الدولة الأموية فروى عنه أحد الحاضرين هذه القصة التي رواها صاحب المستجاد وغيره.
قال: مرَّ المهلب بن أبي الصفرة ذات ليلة بالكوفة بحيّ من همذان حيث كان لفيف من الشباب يتحدثون ويتسامرون، فترامى إلى سمعه أنهم يتكلمون عنه، فوقف بعيدا خلف إحدى الأشجار ليستمع طرفا من قولهم دون أن يتنبهوا إليه. وجعلوا يتكلمون عن المهلب بين مادح وقادح حتى قال أحدهم: من هذا المهلب الذي أكثرتم الحديث عنه، وما قدره؟ والله إنه لا يساوي في نظري بطوقه وثيابه أكثر من خمسمئة درهم!
فلما سمع المهلب ذلك خفّ إلى الدار فأحضر خمسمئة درهم ووقف على أولئك الفتية، وهم لا يعرفونه شكلا، فقال: من منكم قوّم المهلب بن أبي الصفرة بخمسمئة درهم ؟ فأشاروا على الفتى الذي قال ذلك المقال فصبّ الدراهم في حجره، وقال: هذا يا بُنَيّ ثمن المهلب في نظرك ووالله لو زدتَه لزدناك! فعرفوا أنه المهلب، فخجل الفتى وقال: واسوأتاه ! فقال له المهلب: لا بأس عليك، ولا حجر على رأي أحد. فقال رجل كان مارًّا ورأى الحادث: والله ما أخطأ مَن سَوَّدك ! (أي جعلك سيدا).
حمران بن الأقرع وصدوف
كان حُمْرانُ بن الأقرع الجعدي من الفصحاء في الجاهلية، وكان في زمنه امرأة تدعى (صَدوف) ذات مال وجمال، ولما كثر خطابها أعلنت أنها لن تتزوج إلا من فصيح مثلها وجعلت له امتحانا هو أن يعلم ما تسأله عنه وأن يجيب بما يلزم دون أن يتجاوزه. فتدفق عليها العشرات ففشِلوا حتى جاءها حُمران وهي تسمع به ولا تعرفه. فلما أُدخل عندها ظل واقفا وكان غيره يأتي فيجلس قبل الإذن. فنظرت إليه وقالت: ما يمنعك من الجلوس ؟
قال: حتى يؤذن لي.
قالت: وهل عليك أمير ؟
قال: رَبُّ البيت أحقُّ بفِنائه، ورب الماء أحق بسقائه، وكلٌّ له ما في وعائه !
قالت: ماذا أردتَ ؟ قال: حاجة.. ولم آتك لحاجة !
قالت: تُسِرُّها أم تُعْلِنها ؟ قال: هي تُسَرُّ وتُعْلَن.
قالت: فما حاجتك ؟ قال: قضاؤها هيّن، وأمرها بيّن، وأنت بها أخبر، وبِنُجْحِها أبصر
قالت: فأخبرني بها. قال: قد عَرَّضتُ.. وإن شئتِ أعربت.
قالت: من أنت ؟ قال: أنا بشر، ولِدتُ صغيرا، ونشأت كبيرا، ورأيت كثيرا.
قالت: فما اسمك ؟ قال: من شاء أحدث اسما، وقال ظلما، ولم يكن الاسم عليه حتما.
قالت: فمن أبوك ؟ قال: والدي الذي ولدني، ووالده جدي، ولم يعش بعدي.
قالت: فما مالك ؟ قال: بعضه وُرِّثْتُه، وأكثره اكتسبته.
قالت تودّ معرفته: فمن أنت ؟ قال: من بشر كثير عددُه، معروف ولدُه، ويُفنيه أبده.
قالت: ما ورَّثك أبوك عن أوّليه ؟ قال: حسنَ الهمم، ووفاء الذمم.
قالت: فأين تنزل؟ قال: على بساط واسع، في بلد شاسع، قريبه بعيد، وبعيده قريب !
قالت: فمن قومك؟ قال: الذين أنتمي إليهم، وأجني عليهم، وولدت لديهم.
قالت: فهل لك امرأة ؟ قال: لو كانت لي لم أطلب غيرها، ولم أضيّع خيرها.
قالت: كأنك ليست لك حاجة ؟
قال: لو لم تكن لي حاجة، لم أُنِخْ ببابِك، ولم أتعرض لجوابك، وأتعلق بأسبابك.
قالت: أئنك لحُمران بن الأقرع الجعدي ؟ قال: إن ذلك ليقال !
فقبلته زوجا وزوجته نفسها !