في أحيان كثيرة تتضارب الفتاوى الشرعية بين علماء الأمة مما يجعل الشارع الإسلامي في حيرة من أمره.. يتبع أيا من هذه الفتاوى، وعلى سبيل المثال هناك فتاوى من علماء بارزين لا تجيز التعامل مع البنوك التجارية وتعتبر التعامل معها نوعا من الربا غير المشروع في حين يرى علماء بارزون أيضاً أن التعامل مع تلك البنوك ليس فيه أي نوع من أنواع الربا..
ورغم أن فريقاً من العلماء يرى أن اختلاف الأئمة رحمة إلا أن الفريق المضاد يرى أن اختلافهم شقاق. وأمام تضارب الفتوى يثور تساؤل حول إمكانية توحيد الفتوى في الدول الإسلامية لكن موضوع توحيد الفتوى يقابله بعض الإشكاليات كمسؤولية دور الإفتاء وشخصية من يقوم بالفتوى ومواصفاته ومؤهلاته للإفتاء..
وحول هذه القضية الشائكة كان اللقاء مع بعض العلماء ليدلوا بدلوهم في ذلك. يقول المستشار محمد الجمل رئيس مجلس الدولة المصري الأسبق والمتخصص في الشريعة الإسلامية: إن المفتي في مصر على سبيل المثال يقوم رسمياً بالتعبير عن رأي الدين فيما يطلب منه في دار الإفتاء، وتبليغ هذه الفتوى لمن يطلبها، ومن وظائف المفتي الإشراف على الاحتفال برؤية هلال رمضان ومواقيت الأعياد والحج، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجل عارف بكتاب الله تعالى، بصير بحديث رسول الله، بصيرًا باللغة الفصحى والشعر الجيد، وما يحتاج إليه منهما في فهم القرآن والسنة،
ويكون مع هذا مشرفًا على اختلاف علماء الأمصار وتكون له في ذلك قريح وقادة، فإذا بلغ هذه الدرجة فله أن يفتي». ففي أحيان كثيرة تتضارب الفتاوى النوعية بين الأئمة والفقهاء وعلماء الأمة مما يجعل الشارع الإسلامي في حيرة من أمره، وأي فريق تتبع، فمثلاً القضية التي ما زال الجدل قائمًا حولها حتى الآن فوائد البنوك حلال أم حرام، فنجد فتاوى من علماء بارزين تجيز التعامل مع البنوك طالما أنها تجارة واستثمار،
والبعض الآخر يعتبر التعامل نوعًا من أنواع الربا غير المشروع، وفريق ثالث يرى أنها ليست ربا وليس هناك شبهة تعامل فيها. مما جعل هذه الأمور تتضارب في عقول المسلمين، وتساءلوا فيما بينهم من هو الأحق بإصدار الفتوى حتى تتبعه؟ وهل لا يجوز أن تكون هناك فتوى موحدة في الدول الإسلامية ؟ الجميع أكد أن قضية الفتوى وتوحيدها والقائمين عليها أمر ليس باليسير لأنه يتوقف على طبيعة الفتوى ومن يقوم بها ومواصفاته ومؤهلاته للإفتاء.
ويرى المستشار الجمل: أنه لابد من التنسيق بين الجهات الصادر عنها الفتوى، وتعدد مصادر الفتوى شيء ضروري، ولكن من الصعب على جهة معينة احتكارها، والتعدد في الفتوى ليس من مصلحة الإسلام ولا المسلمين على الإطلاق، فعلى سبيل المثال يقوم المفتي في مصر بالتعبير رسميًا عن رأي الدين فيما يطلب منه في دار الإفتاء، وتبليغ هذه الفتوى لمن يطلبها، وهو الموظف العام المسؤول عن إبداء الرأي الشرعي لمن يستفتيه،
ومن وظائف المفتي في مصر الإشراف على رؤية هلال رمضان، وتوقيتات الحج والعمرة، وإبداء رأيه لمحكمة الجنايات فيما يتعلق بتقرير عقوبة الإعدام ومدى اتفاقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، وهو في ذلك مثل إدارات الفتوى في مجلس الدولة التي تبدي الرأي باختصاصها، وليس غريبًا أن يكون هناك خلاف على فتوى من المفتي، ولكن المهم أن يكون هناك الدليل الذي يؤيد القول المخالف للفتوى من الكتاب والسنة.
اختلاف الأئمة
ويضيف المستشار محمد عبد العزيز الجندي النائب العام المصري الأسبق: أن اختلاف الأئمة والعلماء في الفتاوى بعض الأحيان رحمة، وأحيانا يكون اختلافهم شقاقًا، ولكن دعونا نتساءل هل توحيد الفتوى يخدم الشارع الإسلامي، وهذا ما يهمنا الاجتماع على كلمة واحدة، لأننا لسنا في حاجة إلى شقاق أكثر مما هو موجود، لأن تضارب الفتوى الشرعية بين علماء الأمة الإسلامية كارثة. ويجعل الشارع الإسلام في حيرة من أمره وأي فريق يتبع، والأصل في الفتوى التشريع وهو كتاب الله وسنة رسوله، والفتوى مسؤولية كبيرة وتحتاج إلى من ينظمها.
ويري الشيخ جمال قطب أمين لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا: أن تعدد جهات الفتوى له أصل سياسي، وكان الهدف من إنشاء دار الإفتاء عام 1850 هو إحداث الشقاق بين صفوف المسلمين، وصرف الناس عن الأزهر الشريف وسحب البساط من تحت سيطرته. والأصل في الإفتاء رجوع الناس إلى مصدر واحد له يد التخصص والتراكم العلمي والمعرفة بالواقع المعاصر، مع تكامل المناهج المستعملة، في الوصول للفتوى، وهذه الأبعاد متوافرة في مؤسسة الأزهر الشريف دون غيره من المؤسسات،
وهذا لا يعني عدم توافر هذه المؤهلات في دار الإفتاء المصرية وإنما أدرك المستعمر مدى صلابة هذه المؤسسة والتفاف الناس حولها، فأراد خلخلة هذه المنظومة، وعمل على إنشاء مؤسسات أخرى توازي الأزهر وتشاركه حق الفتوى، وتمثل ذلك في إنشاء دار الإفتاء، وإنشاء وزارة الأوقاف للإشراف على المساجد وفي الوقت نفسه سحب البساط من تحت سيطرة الأزهر، ولهذا أصبح هناك تضارب في الرأي نتيجة لتعدد مصادر الفتوى.
مشكلة خطيرة ويرى المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد أن وجود أكثر من جهة مسؤولة عن الفتوى يعتبر مشكلة خطيرة، وسوء تنظيم، فليس كل إنسان قادر على أن يستفتي قلبه أو يذهب إلى مجتهد يثق فيه، وتقع المسؤولية، على الدولة في توحيد مصدر الفتوى، حتى يتمكن عامة الناس الأخذ من مصدر واحد، وأن يثقوا فيمن يقوم بالفتوى لا أن تتضارب الآراء ويصبح العامة في حيرة من أمرهم ولابد على من يقوم بالفتوى أن يكون مصدر ثقة ومعروفا لجمهور الناس بتقواه وورعه حتى يثقوا في كلامه وفيما يفتيهم فيه من أمور، لأن عامة الناس لا يعرفون قواعد الاجتهاد، ولا يعرفون حتى النصوص الشرعية،
وحسم هذه المشكلة يكون بتوحيد مصدر الفتوى وهذا عبء تضطلع به الدولة وحدها دون غيرها. ويطالب د. محيي الدين الصافي بجامعة الأزهر بمنع أي إنسان من الإفتاء والاجتهاد في أمور الدين، وهو غير مؤهل لتلك المهمة ، وهناك قانون يجرم ذلك ويقول: من الأفضل وجود جهة موحدة تقوم بالفتوى خاصة في الفتاوى المكتوبة ولتكن لجنة الفتوى بالأزهر مثلاً،
حيث إن توحيد مصدر الفتوى أمر مهم جداً، وضروري خاصة هذه الأيام التي أصبحت الأبواب مفتوحة لكل من «المشككين» لدخول مجال الفتوى، ويؤدي دخول غير المؤهلين لمجال الفتوى إلى انتشار الفساد في المجتمع واستشراء الباطل. ويرى الشيخ محمود عبد المتجلي عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أنه لابد من الاختلاف في وجهات النظر، لأنها أدلة تحتمل وجوه عدة وقد اختلف الأئمة الأربعة في مسألة واحدة وهي على سبيل المثال «أو لامستم النساء» فبعضهم قال إنها الاتصال الجنسي، والبعض الآخر قال هي مجرد اللمس باليد، ولو اختلفت الفتوى في مسألة معينة قد تثير البلبلة والفتنة فإنه لابد من الرجوع إلى شيخ الأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية .
شروط المفتي
ويشترط د. طه خضير بجامعة الأزهر، في العلماء الذين يختصون بإصدار الفتوى أن يكونوا من أهل الفتوى وخاصة من علماء الأزهر الشريف، وأن تكون الفتوى الصادرة منه مقيدة بأدلة، وإذا فُقد شرط من هذين الشرطين تكون الفتوى لا قيمة لها، وأن الاختلاف بين العلماء رحمة للأمة وخاصة أن الفقهاء والأئمة الأربعة اختلفوا في مسائل معينة وليس من السليم أن نلزم الناس برأي واحد أو مذهب معين فهذا من الصعب بل من المستحيل حدوثه وقد يؤدي إلى نفور الناس من الدين الحنيف . أما د. نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق فيري أنه من الشروط الواجب توافرها فيمن يعمل بالإفتاء أن يكون من ذاته سليم العقيدة نقي السريرة.

