لكل اسم من أسماء الله الحسنى وقع على القلوب المؤمنة، إذ يجد كل مؤمن حين يذكره بأي اسم من أسمائه الكمالية حالة من حالات الإكبار تغمر فؤاده وتأخذ عليه زمام نفسه وملكات عقله وحسه وتملأ كيانه بالخشية والخشوع فلا يسعه إلا أن يكرر هذا الاسم استعذاباً لحلاوته على قلبه واستشعاراً بحب ربه، وطلباً لقربه من حضرة قدسه. فعندما يذكر العبد ربه باسم الجبار يشعر بثلاث حالات متلازمة كل حالة منها منتزعة من معنى يتضمنه هذا الاسم العظيم. فهذا الاسم له في اللغة ثلاث معان كلها مرادة لله تبارك وتعالى: المعنى الأول: هو العظيم الذي تحار في كنه جلاله وجماله وكماله العقول، ولا تحيط بمعاني صفاته البصائر، ولا ترتقي إلى معرفة ذاته الإفهام .
الثاني: هو المصلح لأمور الخلق، والمظهر للدين الحق، والميسر لكل عسير، والجابر لكل كسير . الثالث: هو الذي أجبر الخلق على ما أراد، وحملهم عليه طوعاً وكرهاً، فلا يقع في كله إلا ما يريد، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. يقال : جبره وأجبره إذا أكرهه على فعل الشيء أو على تركه . فهو سبحانه جل شأنه الجبار في عليائه، يجير ولا يجار عليه، وهو الغالب على أمره، نواصي العباد بيده، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه وهو الجبار الذي أجبر الخلق جميعاً على تقديسه والتسبيح بحمده وحملهم على ذلك طوعاً وكرهاً .
فمن سبحه وقدسه طوعاً فهو مجبر على ذلك من حيث إنه ما وفق لذلك إلا بقدرته جل شأنه، فمنه التوفيق ومنه الأجر على ما وفق العباد إليه. والأمر كله منه وإليه ومن سبحه وقدسه كرهاً مقهورا بمشيئته وجبروته لأنه الإله الذي لا معبود بحق سواه، ولا ملجأ لأحد إلا إليه.
فمهما حاول العبد أن ينسى فضل الله عليه ويجحد نعمه الظاهرة والباطنة وينصرف عن عبادته - فإنه لا محالة يعبده عبادة المقهور الذي لا انفكاك له عن قبضة خالقه ومالكه، بدليل أنه يلجأ إليه وحده في أوقات الشدة فلا يدعو أحداً سواه . قال تعالى في سورة يونس :(هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).
صباح محمد