التفاؤل ضوء ينير ظلماتٌ الشدائد ومتنفسٌ وقت الكربات والمحن، ولا شك أن للتفاؤل أثره النافع لأنه يجعل الإنسان قادراً على مواجهة الحياة وتحسين الأداء شاعراً بالرضا وانشراح الصدر متحفزاً لفعل الخير، فالتفاؤل يعطي الفرد قدرات واستعدادات وطاقات نفسية إضافية، فضلاً عن استخراج الطاقات الكامنة والقدرات المدفونة بداخله فيشعر بالمسؤولية ويسرع الخُطا في درب الإنجاز والتفوق والإبداع ذلك أن الشعور بالتفاؤل يوظف الطاقات والأشياء توظيفاً إيجابياً،
ويجعل الإنسان متمكناً من استغلال طاقاته العقلية حيث إن يتيح له أن يفكر باعتدال بعيداً عن الوهم والاضطراب فيتمكن من التركيز حيث لا مشتِّت من يأسٍ وحزنٍ ومشكلات ونحو ذلك، فإن صادفته مشكلة علم أن هناك حلاً فيسارع بالبحث عنه وإن واجهته العوائق كان له من طاقاته الكامنة داخله قوة تمنحه القدرة على تخطيها فيثبت ذاته ويحقق نجاحه ومن ثم سعادته، ولأن الإسلام معجزٌ في شتى المجالات نجد له الأسبقية في مراعاة الحالات النفسية لما لها من أثر على قدرات وإنجازات الإنسان
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن وينبذ التشاؤم والتطير فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل والكلمة الحسنة والكلمة الطيبة» ومن ثم وجدناه متفائلاً في كل أحواله، في الشدة والرخاء وفي العسر واليسر، وجدناه صلى الله عليه وسلم يبشّر سراقة بن مالك في رحلة الهجرة ـ وهو في شدته ومحنته حيث إنه كانت قريش له بالمرصاد تريد قتله فيترك بلده التي يحبها ـ بسواري كسرى،
وفي هذا ما يحمل البشرى بفتح بلاد الفرس (ثاني أكبر دولة عظمى في ذلك الوقت)، كما وجدناه عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم ـ والمسلمون في أحلك الأوقات وأشد الأزمات حيث تحزّبت عليهم القبائل وتجمعت من كل صوب وحدب بجموع غفيرة تزيد على عدد المسلمين أضعافاً مضاعفة مما اضطرهم لحفر خندق حول المدينة ـ يبشر أصحابه ـ مذكراً بأن الله أكبر من كيد الكفار والمشركين وأحزابهم ـ بفتح بلاد الروم وبلاد الفرس،
وأعتقد أن هذا التفاؤل وهذه البشرى كان لها أكبر الأثر في رفع معنويات الصحابة وتحريك الطاقات الجهادية الكامنة في أعماقهم لفتح أعظم إمبراطوريتين ودولتين عظميين في ذلك الوقت وتم لهم النصر وكسْر شوكة الروم والفرس في عهد الخلفاء الراشدين.
والتفاؤل شعور نفسي واعٍ تصاحبه الثقة بالله عز وجل فينبذ الإنسان اعتقاداته السلبية عن نفسه وينظر للعالم من حوله والمواقف التي يمر بها نظرة إيجابية تدفعه للإنجاز وتعينه على الترقي، ومن ثم كان النبي الواثق بربه دوماً المتفائل يركز على الجوانب الإيجابية من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه ركز في حديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله على الرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال :إني أخاف الله، وأشاد به ولم يركز على الجانب السلبي المتمثل في المرأة ومراودتها إياه عن نفسه، وإننا نتعلم من ذلك عدم التركيز على أخطاء الآخرين فكما أن للمرء هفوات وزلات فله أيضاً محاسن وإيجابيات يجب أن نسلط عليها الأضواء.
والتفاؤل فيه حسن ظن وثقة بالله العلي القدير لذلك يخرج القدرات من مكامنها لساحة العمل فيقبل الفرد على الطاعات والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، ويترتب على حسن ظن العبد بالله الناتج عن التفاؤل أن يكون الله عند حسن ظن العبد به فيحقق له رجاءه ويقبل دعاءه
كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة «أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء، إن خيرًا فله، وإن شرًّا فله» وفي هذا يقول بعض العلماء كما ورد في (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) عن النبي أنه كان يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن الظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال.
ومن إعجاز الإسلام العلمي بث روح الأمل والتفاؤل للمريض بالدعاء له فحين نقول له كما علّمنا النبي «لا بأس طهورٌ إن شاء الله» يزيد يقينه بالله وتتحسن حالته النفسية فيكون له من الدعاء نصيب وهذا ما أثبتته الدراسات والإحصاءات الطبية والأبحاث العلمية الحديثة من أن فكر المريض يؤثر على الشفاء فإن كان سلبياً أخّر الشفاء وإن كان إيجابياً عجّل بالشفاء لما له من تأثير على هرمونات التوتر زيادة ونقصاً.
فلننبذ التشاؤم والتجهم لأنه لن يغير شيئاً ولن يرجع فائتاً كما قال الشاعر
إن كنتَ مكتئباً لعزٍ قد مضى هيهات يرجعه إليك تجَهُّمُ
محمد علي الأطرش