هذا الصحابي الجليل كان من قبيلة لا ذكر لها بين القبائل في الجاهلية ( قبيلة باهلة) ولما جاء الإسلام وجعل الكرامة للتقوى وقضى على هذا التميز القبلي وقد أجاد ابن حجر حيث قسم الناس في الجاهلية إلى أربعة أقسام : جعل في الأولى ( شريف في الجاهلية شريف في الإسلام ) وجعل في الثانية ( مشروف في الجاهلية شريف في الإسلام ) بينما جعل في المرتبة الثالثة ( شريف في الجاهلية مشروف في الإسلام ) والمرتبة الرابعة (مشروف في الجاهلية مشروف في الإسلام ).

ولهذا فإن أبا أمامة الباهلي صحيح وإن كان مشروفاً في الجاهلية إلا أنه أصبح شريفاً في الإسلام فاستحق أن يكون في المرتبة الثانية. متقدماً على من كان ( شريفاً وجيهاً في الجاهلية مشروفاً في الإسلام) يقول أبو أمامة : « أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باهلة أدعوهم إلى الإسلام فأتيتهم فرحبوا بي فقلت إني رسول رسول الله لتؤمنوا به.

فكذبوني وردوني وأنا جائع ظمآن فنمت فأُتيت في منامي بشربة من لبن فشربت وشبعت. فقال الباهليون : أتاكم رجل من أشرافكم وخياركم فرددتموه قال فجاءوا بطعام وشراب فقلت لا حاجة لي منه إن الله قد أطعمني وسقاني فنظروا إليه فآمنوا ودخلوا في الإسلام « لقد نال هذا الفضل العظيم حيث كان سبباً في هدي قبيلته فكان خيراً له من حمر النعم.

لقد كان كثير الصوم ملتزماً بما وصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يا رسول الله مُرني بعمل. قال عليك بالصوم فإنه لا مثيل له فكان أبو أمامة رضي الله عنه وامرأته وخادمه لا يلقون إلا صياماً. كان رضي الله عنه لا يحب إظهار العبادة فلقد مر ذات يوم على المسجد فوجد رجلاً وهو ساجد يبكي ويدعو الله فقال يا هذا لو كان هذا في بيتك حتى لا يراك أحد.

لقد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه علماً كثيراً وبايعه تحت شجرة الرضوان فكان ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. وطلب مرة الشهادة حيث قال للنبي ادع الله لي بالشهادة فقال النبي ( اللهم سلمهم وغنمهم ) قال فغزونا فسلمنا وغنمنا. يقول سُلَيم بن عامر : كنا نجلس على أبي أمامة فيحدثنا حديثا كثيراً عن رسول الله ثم يقول ( اعقلوا وبلغوا عنا ما تسمعون )

الكرامة التي أكرمه الله بها :- ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء أن مولاة لأبي أمامة قالت : كان أبو أمامة يحب الصدقة ولا يقف به سائل إلا أعطاه. فأصبحنا يوماً وليس عنده إلا ثلاثة دنانير فوقف به سائل فأعطاه ديناراً ثم وقف به سائل آخر فأعطاه الدينارـ الثاني ثم وقف به سائل ثالث فأعطاه الدينار الثالث ولم يبق له شيء. ثم راح إلى المسجد صائماً.

تقول مولاته : فرفقت له واقترضت له ثمن عشاء حتى يفطر عند آذان المغرب. ثم ذهبت أصلح فراشه وإذا تحت المخدة ثلاثمئة دينار. فلما دخل ورأي ما هيئت له حمد الله وابتسم وقال هذا خير من غيره. ثم تعشى فقلت له يغفر الله لك يا أبا أمامة لقد وجدت تحت مخدتك ثلاثمئة دينار من الذهب « قال أين لي بالذهب ليس هي إلا ثلاثة دنانير وقد تصدقت بها فقلت ارفع المخدة فرفعها فلما رأى الذهب يبرق ويلمع فزع وطاف وقال ما هذا ويحك فقالت : لا علم لي ألست من وضعه قال : لا. وكثر فزعه حيث رأى كرامة أكرمه الله بها حيث تصدق بثلاثة دنانير فأعطاه الله ثلاثمئة دينار » رضي الله عنه وأرضاه

محمد نور العلي