عندما يذكر المسلم ربه باسمه «العزيز» ـ يشعر في أعماق قلبه بعزة المؤمن وقوة الإيمان، وغلبة جانب الخير على جانب الشر، ويعتقد اعتقاداً جازماً أنه محاط بعناية ربه، ممنوع بقوة خالقه عن كل من يدبر له كيداً في العلانية أو يضمر له سوءاً في الخفاء. وإذا أكثر من ذكر «العزيز» أحس ببرد اليقين في كيانه كله،
وأدرك بثاقب فكره أنه أمام قوة قاهرة، وقدرة قادرة وإرادة نافذة وعلم محيط ورحمة واسعة ونعمة غامرة وبالجملة أحس بأنه أمام أسماء الله الحسنى كلها تتجلى له في هذا الاسم، وتتزاحم عليه في معانيها ومراميها ويجد في هذا الاسم جميع أوصاف الكمال والجلال والجمال. فمن نظر إلى معنى هذا الاسم من حيث اللغة علم أنه قد جمع ثلاثة أمور هي جماع العظمة في أسمى صورها وأجل معانيها.
وهذا الاسم العظيم مشتق من عز يعز ـ بفتح العين فمعناه الشديد القوي الممتنع بقدرته عن سائر خلقه. ومنه قوله تعالى في سورة فاطر (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) أي: بممتنع لأنه القوي القاهر فوق عباده. ومنه أيضاً قوله تعالى في سورة «يس»: (فعززنا بثالث) أي: شددنا وقوينا. ومن نظر إلى هذا الاسم العظيم نظرة عقدية نابعة من عقيدته الصحيحة الخالية من شوائب الشرك وشبهات الجهل ونزغات الهوى،
أدرك أن هذا الاسم ينطوي على معان أخرى غير التي عرفناها من خلال النظرة اللغوية في مشتقاته. عرف أنه معدن العزة ومنبعها ومصبها، فمنه تتبع العزة وإليه ترد قال تعالى في سورة فاطر: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً). وقال جل شأنه في سورة الصافات: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون). وقال في آخر هذه السورة (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين).
يقول الله عز وجل في سورة فاطر: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد). أي: أنتم الكاملون في الفقر، وهو الكامل في الغنى، وهو مع استغنائه عن خلقه يحمد لهم حسن صنيعهم ويجزيهم به أحسن الجزاء. فالله أعز عباده المرسلين بالعصمة والنصرة والمعجزات الخارقة للعادة، وأعز جنده من خيرة عبادة الذين آمنوا بالرسل وجاهدوا معهم في الله حق جهاده ـ بالنصر على أعدائهم في مواطن يعز فيها النصر لقلة عددهم وعتادهم وأجزل لهم الثواب في داري الدنيا والآخرة، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.
اقرأ قوله تعالى في سورة آل عمران (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين). فهؤلاء اعتزوا بالله فأعزهم واعتصموا بقوته فعصمهم واستنصروا به فنصرهم وطلبوا منه المغفرة فغفر لهم ورزقهم ثواب الدنيا فعاشوا فيها حياة طيبة، ورزقهم حسن الثواب في الآخرة فكانت لهم البشرى في الدارين فهم الأعزاء بالله حقاً لا يدانيهم في العزة من لم يسلك مسالكهم وينهج نهجهم (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون).
فالعزة كل العزة ملكاً خالصاً لله، فهو ربها وهو مسديها لمن شاء من عباده: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون). فإذا كان هو ربها ومسديها فلماذا نطلبها من غيره؟ أليس هذا جهلا منا بموطن العزة وبمعناها وبحقيقتها وآثارها؟. كيف نطلبها ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وليس يملك منها مثقال ذرة. يقول الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الفرقان: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً).
صباح محمد