كلما أراد أحد أن يغمز في الإسلام والمسلمين ممن يعتبرون أنفسهم من دعاة التطور والتحرر راح يشير إلى أن المسلم يعدد في زيجاته كما يريد، وأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم تزوج من ثلاث عشرة امرأة، وأن الصحابة والسلف الصالح كانوا مزواجين وكثيراً ما جمع الواحد منهم بين أربع نساء في الوقت نفسه.
ومع أن حال أكثر المسلمين اليوم لا يسمح بأكثر من الزواج من امرأة واحدة هذا إن كان الزواج ممكناً في الأصل بسبب تعقيدات الزواج وتكاليفه وغلاء كل شيء من اللقمة إلى الدواء إلى المسكن، ومع أن حسن المعاشرة من قبل الرجل والمرأة يكاد يكون صعباً إلى حدود ما قبل الاستحالة لغلبة الهم والغم والكرب والضيق، فإن من ينتقد ويغمز ويلمز ما يزال مستمراً كأن كل مسلم يجمع في بيته أربع نساء وعدداً من الأولاد في زمن صار فيه الرجل يحتاج إلى عمل نهارين في نهار واحد ليمضي الشهر على الكفاف والعفاف دون حاجة أو سؤال.
تشير الدراسات في الغرب والشرق والتي تمت بمسح حالات آلاف الرجال أن أكثرهم لا يكتفي في حياته كلها بامرأة واحدة، وأن نسبة ضئيلة تكاد لا تذكر هم الذين يكتفون بعلاقة جسدية مع امرأة واحدة، وهو واقع الحال الذي لا مفر منه والذي لا يمكن أن يغمض أحد عينيه عنه، وكل ما يؤخذ على الإسلام أنه يلزم الرجل بمسؤولية النفقة على المرأة التي يعاشرها وأولادها في عقد شرعي مؤبد غير مؤقت في حين أن تعدد الخليلات لا يلزم صاحبه بشيء فهو يبدل في النساء كما يبدل في أحذيته أو ملابسه الداخلية.
أما الرسول الأعظم فقد تزوج في الخامسة والعشرين من عمره بالسيدة خديجة رضي الله عنها ذات الأربعين عاماً، وعاش معها دون أن يعدد حتى صار عمره خمسين عاماً، ثم إنه صلى الله عليه وسلم تزوج من بقية نسائه بين الخمسين والثالثة والستين لحكمة أرادها الله ليس المجال هنا مجال التفصيل فيها. ولكن من يغلب عليه التوق إلى الجنس يعدد في شبابه ولا ينتظر حتى الخمسين ثم يعدد بعدها، ومن أمهات المؤمنين نساء لم يدخل بهن عليه الصلاة والسلام.
إن ما يأخذه علينا الغامزون واللامزون أن الإسلام حدد اللامحدود وضيق ما كان قبله متسعاً مطلقاً، فقبل الإسلام عرفت زيجات وعلاقات بين الرجال والنساء لا تحد ولا تعد فضلاً عن أشكالها التي تمجمها النفس ولا ترتاح إليها الفطرة، أما من يستكثر على الرسول الأعظم زيجاته التي حدثت بوحي من الله فإنه يجب أن يعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان أقل رجال عصره زيجات، فقد جاءه الأمر الإلهي بالامتناع عن الزواج بعد مارية القبطية بينما نجد رجالاً من الصحابة والتابعين تزوجوا بعدد يفوق عدد زيجاته عليه الصلاة والسلام وإن لم يجمعوا أكثر من أربع نساء في الوقت نفسه.
إنني أعتب على بعض كتاب المسلمين الذين راحوا من منطق دفاعي يشترطون المرض أو العقم في المرأة على الرجل لكي يعدد، وما في القرآن والسنة النبوية لا يوحي بأي شرط إلا العدالة والحرص عليها حتى أن الرسول الأعظم مع نبله وعظيم خلقه كان يناجي ربه: اللهم هذا عدلي فيما أقدر عليه فاغفر لي مالا أقدر عليه، مشيراً إلى قلبه، فإذا كان رجال القرن الحادي والعشرين يعددون الخليلات فلماذا لا يعدد المسلم زيجاته هذا لمن استطاع أن يصبر على طبع النساء ويكرمهن وإن كان مغلوباً.
وقد قرأت يوماً مقالاً لسيدة ترى في اقتصار الرجال على زيجة واحدة ما يجرح همهم وعزائمهم فلمن تترك العوانس والمطلقات وأعدادهن صارت تدق ناقوس الخطر ولماذا لا يقتدي المسلمون برسولهم في جبر خواطر الأرامل والمطلقات بالزواج منهن وتحمل مسؤوليتهن والإنفاق عليهن والصبر على أخلاقهن.
لقد دفعت أمهات المؤمنين رسول الله مع عظم أخلاقهن إلى شيء من الضجر والهجر، حتى نزل قرآن يخيرهن بين متاع الدنيا وإطلاق سراحهن والآخرة والبقاء مع رسول الله، وعلى سبيل المزاح يروى أن شيخاً كان يلقي درساً في مسجد يؤمه الرجال والنساء وكان الشيخ في صدد شرح حديث رسول الله «النساء ناقصات عقل ودين» إلا أن إحدى النساء لم تمهله حتى يشرح الحديث فاحتجت واعترضت من وراء ستار.
ما جعل الشيخ يقول لها: إن المقصود بناقصات عقل ودين ليس أنتن بل نساء النبي والصحابة عليهم السلام ورضي الله عنهم، أما أنتن فبدون عقل وبدون دين تماماً، فضج المسجد بالضحك ثم عاد الشيخ ليشرح الحديث مبيناً أنه لا يمس من قيمة المرأة وكرامتها في سياق نصوص أخرى وحسن معاشرة الرسول الكريم لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن. فإذا كن رضي الله عنهن قد أسأن الفعل والتقدير مع الرسول الأعظم مما يبين ما في تعدد الزوجات من مصاعب ومتاعب فما حال مسلم اليوم إن أراد التعدد، أترك الجواب لشاعر عربي قديم تحدث في تجربته حول التعدد:
تزوجت اثنتين لفرط جهلي
وما أشقاك يا زوج اثنتين
فقلت أكون بينهما خروفاً
أنعم بين ثديي نعجتين
فصرت كنعجة تضحي وتمسي
تعذب بين أخبث ذئبتين
لهذه ليلة ولتلك أخرى
عتاب دائم في الليلتين
رضى هذي يهيج سخط هذي
وما أنجو من إحدى السخطتين
فإن شئت أن تعش عبداً كريماً
خلي القلب مملوء اليدين
فعش عزباً وان لم تستطعه
فواحدة تقوم بعسكرين
ماهر سقا أميني