أولا: الرؤية هي إدراك المرئي من الجهة المقابلة اما النظر فهو تقليب البصر حيال مكان المرئي طلبا لرؤيته. وقيل: النظر طلب الهدى، والشاهد قولهم: نظرت فلم ار شيئا. ويقال: نظرت الى كذا اذا مددت طرفك إليه رأيته ام لم تره. والنظر لا يكون الا مع فقد العلم بخلاف الرؤية ومعلوم انه لا يصلح النظر في الشيء ليعلم الا وهو مجهول. ولهذا لما رغب موسى عليه السلام في النظر الى ربه جل وعلا طلب منه سبحانه ان يمكنه من رؤيته لكي ينظر اليه فقال «رب ارني انظر اليك» الأعراف 143، فأجابه سبحانه وتعالى بقوله «لن تراني»، «ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني» الأعراف 143.
ثانيا: وقد يراد بالنظر التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الرؤية يقال: نظرت فلم تنظر أي : لم تتأمل ولم تترو ويقال: نظرت فيه اذا رأيته وتدبرته ونحو ذلك قوله تعالى «اولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض» الأعراف 185 وقوله تعالى «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت» الغاشية 17، فذلك حث على التأمل في حكمة الله تعالى في خلقها. وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحا القاضي فقلت: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة. قلت: وما تصنع بها؟ قال: انظر الى الإبل كيف خلقت.
ويستعمل النظر في التحير في الأمور ومثال ذلك قوله تعالى «فأخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون» البقرة 55 وقوله «وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون» الأعراف 198. واستعمال النظر في البصر اكثر عند العامة وفي البصيرة اكثر عند الخاصة قال تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة، الى ربها ناظرة» القيامة 22 - 32. ثالثا: الأصل في الرؤية ان تكون بالحاسة نحو قوله تعالى «لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين» التكاثر 6، 7 وقد تكون بالوهم والتخيل نحو قوله تعالى «ولو ترى اذ وقفوا على النار» الأنعام 27 وقد تكون بالتفكر نحو قوله تعالى «اني ارى ما لا ترون» الأنفال 48 وقد تكون بالعقل نحو قوله تعالى «ما كذب الفؤاد ما رأى» النجم 11.
واذا عدي فعل الرؤية الى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو قوله تعالى «أولم يروا ان الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على ان يخلق مثلهم» الاسراء 99، واذا عدي بـ «الى» اقتضى معنى النظر المؤدي الى الاعتبار نحو قوله تعالى «اولم يروا الى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن الا الرحمن انه بكل شيء بصير» الملك 19.
محمد اسماعيل عتوك