إن الأفكار المتنوعة التي لا تقتصر على مجال واحد من صنوف المعرفة ولا تتولد وتتجدد إلا من خلال وجود غذاء فكري فالقراءة الجادة والمثابرة الأكيدة في المطالعة في شتى صنوف العلم الفكرية والتقنية والفقهية هي التي تنسل الأفكار فالاغتراف من أمهات الكتب وغيرها سبيل لتوليدها عند الإنسان الحي ذهنا واعيا وفكرا ثاقبا يبصر به الأمور وتتنوع لديه الأفكار المتجددة دائما فيستطيع صياغة بعض الأفكار التي تقدم حلولا مناسبة للمجتمع البشري وكذلك يستطيع القارئ في مجال تخصصه العلمي اكتشاف بعض النظريات العلمية التي تواكب متطلبات الحياة.
فالعلم والمعرفة يتجددان في كل زمان ومكان ولا يقفان عند حدود معينة فهما لا ينضبان مدى الحياة ففي كل وقت يكتشف الإنسان التقنيات الحديثة فتصلح لمكان ولزمان معين ولربما أصابها الاضمحلال مما لا يكون لها الأثر الفعلي لوقت ومكان آخر فيبتكر العلم شيئا جديدا يواكب متطلبات الحياة
وهكذا وبعض الحلول المفيدة التي يستنبطها العقلاء من البشر بطبيعة الحال التي تخدم البشرية في حياتها المدنية من خلال سن القوانين والتشريعات المهمة التي تضبط أحوال المجتمع والسير في الضوابط المحكمة مما يجعل الناس الانصياع وأتباع القوانين المشرعة لهم ولولاها لاختل نظام الحياة وأصبحت فوضى تتخبط خبطاً عشواء فيكون الأمن مضطربا وحقوق الناس مهضومة والعلاقات الاجتماعية متزعزعة
وهكذا شأن الاسترشاد بمنافع القراءة الجادة والمثمرة تولد الأفكار المتجددة ولا يفهم من هذا الحديث أن البشر سواء أكانوا من المسلمين وغير المسلمين بكافة شرائحهم المختلفة ومكانتهم العلمية وتخصصاتهم المتنوعة كأساتذة القانون والسياسة الدولية وغيرهم كعلماء الاجتماع والاقتصاد يستطيعون بفكرهم تشريع القوانين التي من شأنها أن تسعد البشرية جمعاء وتجعلها في حالة رخاء واستقرار تام حيث يخلو المجتمع من القلاقل التي تهدم المجتمعات.
فهذا من المحال لان الله تعالى هو الذي خلق الخلق فهو على دراية تامة وأكيدة بما يصلح لهم وما يلائم حياتهم اليومية وشهواتهم المادية فمن خلال ذلك سن لهم القوانين والطرق الحكيمة التي يجب اتباعها وذلك من خلال التشريع الرباني والهدي النبوي الذي جاء به سيد الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمتقين محمد صلى الله عليه وسلم.
فتجديد الأفكار أمر حتمي وضروري لتوازن الحياة البشرية فيأخذ الناس من بعضهم البعض بمختلف أعراقهم وأديانهم لأن المعرفة لا تحتكر عند قوم معينين بل تتفاوت من شخص لآخر فيكون منهجهم الحوار والشورى في المبادئ العامة حتى الخاصة منها فيستشير العقلاء أصحاب الخبرات والتجارب العلمية والعملية.
إن العلم يدعو إلى تجديد الأفكار لذا يجب على الإنسان بذل المجهود الكثير والوقت الوفير للتزود بالمعرفة فالعلم مفتاحه التعلم وبابه القراءة فكلما كان المرء يتطلع إلى المزيد من العلم اتسعت نطاق مداركه العقلية (وكلما زادت المعرفة اتسعت منطقة المجهول. والتقدم نفسه يعمل على زيادة حاجة الإنسان الشديدة إلى المعرفة؛ حيث إن التوغل في حقول المعرفة، يتيح إمكانات ومجالات جديدة، ويولد دوافع جديدة للتقدم الأوسع نطاقا.
فالمثقف الذي يرغب في الحفاظ على قيمة ثقافته وكرامتها، مطالب بأن يعيد تكوين ثقافة على نحو مستمر ومتجدد) مما يتيح له المجال واسعا نحو الابتكار والتجديد فتكون أفكاره حية وناضجة تتطور مع مرور الزمن فالقراءة هي المحرك الحقيقي والوقود اللازم لتوليد شعلة الأفكار فبدونها لا تكون الأفكار مجدية وفعالة لفهم واقع الحياة.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي