روى المُعافَى بن زكريا، رحمه الله، في ( الجليس الصالح ) أنه في فجر الدولة العباسية قدم سليمان بن علي بن عبدالله بن عباس، عم السفاح والمنصور، قدم واليا على البصرة. وفي أمسية رمضانية كان في مجلسه بعض أعيان بني العباس ووجهاء البصرة وجعلوا يتحدثون عن الشعر فقال أحد الجالسين إن هناك رجلا مجنونا من بني سعد لا يتكلم في أي شأن من شؤونه إلا بالشعر! فعجب الأمير وأراد أن يراه فأمر بإحضاره، فتوجه الجِلْواز (أي الحاجب) لإحضاره، ويبدو أن الجلواز كان غليظا، فأمر مجنون بني سعد بالمثول لدى الأمير فرفض فحمله قسرا حتى خرّق ثوبه وبردته، وجيء به إلى الأمير فقال له الأمير: حيّاك الله يا أخا بني سعد. فقال المجنون:

حيّاك ربُّ الناس مِن أميرِ

يا فاضلَ الأصلِ عظيمَ الخِيرِ

إني أتاني الفاسقُ الجِلوازُ

والقلب قد طار به اهتزازُ

قال الأمير: إنما بعثنا إليك لنعرض عليك أن تبيعنا ناقتك. فقال المجنون:

ما قال شيئا في شراء الناقةْ

وقد أتى بالجهل والحماقةْ

قال الأمير: وماذا أتى الجلواز ؟ قال المجنون:

خرّق سربالي وشقّ بردتي

وكان وجهي في المَلا وزينتي

قال الأمير: وهل تنوي بيع الناقة ؟ قال المجنون:

أبيعها من بعدُ، ما لا أوكَسُ

والبيعُ في بعضِ الأوانِ أكْيسُ

قال الأمير: وكم دفعتَ فيها عندما اشتريتها ؟ قال المجنون:

شراؤها عشرٌ ببطنِ مكةْ

من الدنانير القيام السَّكّةْ

ولا أبيعُ، الدَّهرَ، أو أُزادُ

إني لربحٍ في الورَى معتادُ

فقال الأمير: وبكم تقبل بيعها؟ قال المجنون:

خُذْها بعشْرٍ وبخمسٍ وازنهْ

فإنّها ناقةُ صدقٍ مارِنَهْ

فقال الأمير: حُطَّنا من الثمن بعضاً ( أي انقص منه يئا ) فقال المجنون:

تبارك الله العليّ العالي

تسألني الحَطَّ وأنت الوالي

قال الأمير: إذاً نأخذها منك قسرا ولا ندفع لك شيئا ! قال المجنون:

فأين ربي ذو الجلالِ الأفضلِ

إن كنتَ لا تخشى الإله فافعلِ

فقال الأمير: إذاً قل كم نزن لك ثمنا لها ؟ قال المجنون:

واللهِ ما يُنعِشُني ما تُعطِي

ولا يُداني الفقرَ مني حَطِّي

خُذْها إليك وادفعْ ما تريدُ

فالمالُ نافدٌ مهما يزيدُ

قال الأمير: إذاً أبق عليك ناقتك، فلا نحتاجها وقد أمرنا لك بألف درهم وعشرة أثواب !

فكاد المجنون أن يصعق مما سمع، وخاصّة عندما رأى الخادم قد أتى فعلا بالدراهم والثياب.. فأنشد:

إني رَمَتْني نحوكَ الفِجاج

أبو عيالٍ مُعدمٌ محتاجُ

طاوي المَطيِّ ضيِّقُ المعيشِ

فأنبتَ الله لديك ريشي

أرْبَحْتَني منك بألفٍ فاخرةْ

شرَّفَك الله بها في الآخرةْ

وكسوةٍ طاهرةٍ حسانِ

كساك ربي حُلَلَ الجِنانِ

وفي خصوصِ الخادمِ اللئيمِ

وما أتى من عَنَتٍ ذميمِ

فمهما جاء من عيبٍ خطيرِ

سامحْتُه لخاطر الأميرِ

ولما انصرف المجنون قال الأمير لأصحابه: هذا الشاعر المرتجل، الذي لم يتوقف ولم يتردد ويرتجل الشعر كأنه يقرؤه من كتاب مفتوح، من يزعم أنه مجنون، وإذا كان مثله مجنونا، فليس على الأرض من الناس عقلاء !