«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين»، الزكاة هي الركن الثالث في حديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن الإسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً». وهى قربة مالية، إذا خلصت فيها النية، فرضت في السنة الثانية من الهجرة، وقيل في السنة الرابعة.

وإنما كانت ركنا في الإسلام لأنها سد لحاجة الفقير، وكف له عن التطلع إلى الغير، والحقد على الموسر، وترضية لنفسه، فلا يسخط حياته، ويشعر بأنه منظور إليه، من جانب الله بما أوجب له من الحق في مال سواه، ومن جانب الناس بالعطف والإيثار، ومواساته عن حرمانه.

ومن وراء ذلك محبة تسكن قلبه نحو الموسرين، واتجاه إلى واجبه نحو ربه كما أمره. والمال عزيز على النفس.. وبذله للغير يحتاج إلى مجاهدة للغريزة وفى مجموع الإعطاء للزكاة وقبولها تكافل، وتعاون على سلامة المجتمع من التخلخل والتصدع.. ومن الوحشة بين الناس، فلا يكونون كالذئاب، يغتصب القوي حق الضعيف، ويتكالب الفقير على اختلاس مال الغني، فيضطرب الاستقرار، ويعيشون في تباغض.

فإذا كانت الزكاة غرامة مالية تضن بها نفوس شحيحة، فلننظر إليها على أنها حصانة للأموال من العادين عليها. فأرباب المال أشد حاجة إلى كسب الفقراء، وتبادل المودة الرحيمة معهم. وأنه لا غنى للأقلية الميسورة عن ترضية الأكثرية المحتاجة العاجزة عن الكسب، أو الذين لا يتاح لهم أن يجدوا من كدهم ما يكفيهم.

ولا يقال: إن مقادير الزكوات لا تفي بحاجات ذوى الحاجة والتكليف بها لا جدوى له في تحقيق ما فرضنا له من أغراض وحكم فإن ما يعطى من الزكاة، وما يكون من كفارات مضافاً كل ذلك ما يكسبه الفقير من عمله، وما يصادفه من صدقات التطوع، كل هذا كفيل بمقاومة الحاجة لدى العائزين، فإن لم يكفهم على فرض فهو لمؤازرتهم، ومعونتهم، إذ المفروض أن الفقير يعمل ليكسب، ما استطاع، فإن ضاقت بهم السبل، فبيت المال ولي من لا ولي له.

ولعل هذا التشريع الزكوي مطوي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حصنوا أموالكم بالزكاة». وقد ترى في كتاب الله وتشريعه مصلحة للأغنياء في الزكاة أكثر من مصلحة الفقراء، حيث قال تعالى لرسوله: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم - ادع لهم - إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم». فدفع الزكاة تطهير لدافعها من المآثم، وتنمية لماله، ونشأته عند الله، وهى سبب لصلاة الرسول، أي دعائه لهم- يوم كان فيهم - وهذا وعد كريم من جانب الله.

ونظراً لما فيها من غسل الذنوب، ولما فيها من فضل للمعطي على الآخذ لم يكن دفعها جائزاً إلى بني هاشم، وهم أسرة النبي صلى الله عليه وسلم ترفعاً بمقام النبوة عن مظهر التكفف، وعن الموقف الأدنى بالنسبة للدافع. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك «اليد العليا خير من اليد السفلى» ويقول أصرح من ذلك «أنا آل محمد: لا تحل لنا الصدقة...». فيبدو واضحاً في هذا أن مقام المعطي مقام تفضل وإحسان.

4 ـ وقد رفع الله من شأن المعطين للزكاة، والصدقات عامة، حتى اعتبرها قرضاً من جانب عباده إليه سبحانه، ووعدهم بمضاعفة الأجر على هذا القرض، والمال كله من فضله على عباده. «إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم، ويغفر لكم، والله شكور حليم». وهذه الزكوات، وصدقات التطوع يجب أن تكون من مال طيب في كسبه، وطيب في جودته حتى لا يكون إخراجها مشوباً بالشح، والاستهانة، ولا تكون قرضاً لله من المال الخبيث، والله يقول: «ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غنى حميد» 267 البقرة. أي لا تدفعوها من الخبيث الذي لا ترضون أخذه إلا مكرهين على أخذه، ومغمضين لأعينكم عن قبوله والرضا به.

ودفع الزكاة أو الصدقات يكون للحاكم المسلم الأمين، وهو يتولى تسليمها إلى مستحقيها، أو يكون الدفع من المعطي إلى من يعلم حاجته. ويرى الكثير من الأئمة أن صدقة التطوع تكون في سر وخفاء عن أعين الناس حتى تبرأ من ظاهرة الرياء. وأما الزكاة المفروضة فتكون علنا، لأنها لا تحمل على معنى التظاهر بالإحسان بل هي قيام بفرض، والعلانية في إعطائها تحمل البخيل والمتراخي على تقديمها، وبذل ما في ذمته للمستحقين. وعلى هذا التوجيه نفهم قول الله تعالى: «إن تبدو الصدقات فنعما هي «أي الصدقات الواجبة» وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم» أي الصدقات الاختيارية.

وقد نهى الله عن التعبير أو المنة بدفع الصدقات، وهدد بإبطال ثوابها إذا شابها امتنان، وقال، سبحانه، في ذلك:«قول معروف ومغفرة، خير من صدقة يتبعها أذى.. والله غني حليم». وقال: «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى». فالكلمة المؤذية، والمنة، أو أي مساس بالفقير بسبب أخذه للزكاة يحبط ثوابها، ويجعلها كعمل المرائي الذي لا يقصد ثواب الله بعمله.

فلتكن زكاتنا، وصدقاتنا خالصة لله، من شوائب البخل، والرياء، والأذى، كما هو الإيمان الحق، وكما هو الأدب مع الله فيما أعطانا، ثم طلب شيء منه لعياله الفقراء، وسماه قرضاً عنده، وهكذا كل بذل في سبيل الخير عامة، ولا يقف الأمر عند إعطاء الصدقات للفقراء: «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون» البقرة 262.

رجاء علي

رجاء علي