هو الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي عاصر حكم السادات وما كان فيه من حرب العبور واثبت فيها إخلاصاً وولاء لأمته ودينه..! ولد في مدينة (ابو حمر) التابعة لبلبيس بمحافظة الشرقية سنة 1910م، وحصل على شهادة العالمية بالأزهر سنة 1932م، وسافر الى فرنسا حيث حصل على الدكتوراه في التصوف الاسلامي سنة 1940م وكانت اسرته مشهورة في مدينته وما جاورها، بالتدين الخالص، والكرم وحب العلم والقرآن، مما حمله بطبيعته على الاتجاه الى التعليم الازهري،
فالتحق اولاً بكتاب حفظ فيه القرآن الكريم ثم التحق بالازهر حينما افتتح معهد الزقازيق الديني، ثم بمعهد المعلمين، ونجح في المعهدين في وقت واحد، ما يدل على استعداد طيب، وعزيمة ماضية، وحب المجال الديني والدعوة الشريفة اليه، ثم رحل إلى القاهرة حيث نال العالمية سنة 1932، وكان رحمه الله فسيح الآفاق عميق الاغوار في علمه وحكمته، ومن ثم لم يكتف بالعالمية وانما سافر الى السوربون، ليدرس على ايدي اساتذة الغرب ايضاً وعلى ضوء المناهج العلمية الحديثة التي رفع لواءها الغرب،
وكان في فرنسا التي كانت واجهة الحضارة الغربية ملتزماً بالآداب الاسلامية، وتقاليد الشرق والغرب العريقة، وأعد الدكتوراه في التصوف الاسلامي واختياره للشخصية التي درسها وهي «شخصية الحارث المحاسبي» لأنه معجب به اصلاً، وهناك تشابه في المسلك الصوفي وكلاهما يرى ان الكتاب والسنة هما الاساس للسلوك الصوفي..!
وفي اثناء الدراسة قامت الحرب وآثر البقاء حتى نال الدكتوراه سنة 1940 في ظروف صعبة بعد انقطاعه عن الوطن وقررت الجامعة الفرنسية طبع الرسالة على نفقتها وهو شرف لم ينله إلا القليل وحاول العودة الى مصر، ولكن الطرق كانت مغلقة ومازال يتنقل من بلد الى بلد حتى اضطر ان يلف حول رأس الرجاء الصالح الى ان وصل بعد عام.
بدأ مدرساً بكلية اللغة، ثم نقل استاذاً بكلية اصول الدين سنة 1951، فعميداً للكلية سنة 1964 وقد ألزم الطلبة بحفظ القرآن الكريم!
ووضع القواعد لمجمع البحوث الإسلامية وظل حريصاً على نشر الإسلام عالمياً وإعداد الكفاءات القادرة على توصيل الدعوة الإسلامية وشكل عدة لجان مهمة للنهوض بهذه الرسالة ومنها: لجنة بحوث القرآن الكريم، لوضع تفسير وسيط مبسط لمعاني القرآن. لجنة السنة النبوية، لوضع موسوعة مفهرسة للسنة النبوية. لجنة المسجد الأقصى، لجمع كل ما يفيد القضية الفلسطينية.
لجنة التعريف بالإسلام، للرد على خطط التبشير المعاصر. لجنة إحياء التراث الإسلامي، للكشف عن أمهات الكتب. لجنة البحوث الفقهية، لمواجهة كل ما استجد في هذا العصر. لجنة الحضارة والمجتمعات الإسلامية، لحصر العالم الإسلامي وبيان الاستفادة من مواقعه. لجنة العقيدة والفلسفة، لدراسة التحديات والانحرافات في العقيدة والفلسفة. لجنة دائرة المعارف الاسلامية، لوضع دائرة على نسق دائرة المعارف البريطانية.
وكان في سنة 1970 صدر قرار بتعيينه وكيلاً للأزهر، وقام برحلات متعددة في الداخل والخارج وكان يلقى كل الحفاوة والتكريم اينما حل، والتقى بشخصيات عالمية كبيرة مثل (الرئيس كارتر)، (فالدهايم) سكرتير عام الأمم المتحدة..! وساعده في هذا النشاط وهذه اللقاءات اجادته للفرنسية والانجليزية.. ثم تولى وزارة الأوقاف، واخيراً مشيخة الأزهر سنة 1973..!
وفي هذه الفترة كان الإعداد لتحرير أرض مصر من احتلال اسرائيل يجري على قدم وساق، فقاد مع كتائب العلماء المخلصين منهاج التعبئة المعنوية للجنود، وزار جميع مواقع الجيش وعايشهم ظروفهم، ودعا زعامة مصر الى اقرار العدل والفصل في المظالم ورد الحقوق الى اهلها، بل انه كان كثير الصحبة للمرحوم السادات في زياراته للجبهة، وكانت تتاح لهما زيارة سيناء المحتلة، والصلاة على ترابها تذللاً وخشوعاً لله عز وجل وطلباً لرفع الخزي والهوان والذل عن الأمة كلها، بنصر يرفع شأن الإسلام..!
وبعد الحرب وتحقيق النصر، كان يطالب بانجاز الوعود، من تطبيق الشريعة الإسلامية، مما دعا القيادة الى تشكيل اللجان لتقنين الشريعة في صيغ قانونية قابلة للتطبيق، وكان لمصر السبق في إعداد هذه القوانين، والنص على ان تكون هذه الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، أي تؤخذ منها القوانين، وتوضع على ميزانها، وكم كان ولايزال هذا النص يمثل جرحاً منتناً في حلوق المتغربين والماديين والملاحدة، الذين يريدونها علمانية لا صلة لها بالدين من قريب أو بعيد، ولا شيء الا سيادة الفلسفات المادية على اقدار الامة..!
وقام بمحاولات للصلح بين الدول العربية المتنازعة، ونسيان المصالح الخاصة التي تفتك بالمصالح العامة وتفتك بمقدرات الامة، وعلم ان من يذكي هذه الخلافات، انما هي أطراف خارجية حرصاً على مصالحها، فالأمة واقعة بين عدوين يتستران في ثوب الأصدقاء، وهاجم رحمه الله الفلسفات المادية العمياء كالشيوعية او الوجودية وكذلك المنظمات الصهيونية كالماسونية وبناتها كالأندية التابعة لها المبثوثة في كل مكان، تنشر فيه الإلحاد والبعد عن الله، وهذه الجمعيات والأندية هي التي كانت العامل الأساسي والأكبر في تحلل بنية الدولة الإسلامية في تركيا، والعامل الأهم في إسقاط الخلافة، فكان الإمام يجاهد برأيه ولا يخشى في الله لومة لائم..!
وحين تحركت الزعانف المأجورة بإثارة الفتنة الطائفية، والمطالبة باقتسام المسيحيين لنسبة من مقاعد الوزراء والمحافظين ورؤساء المدن والقرى ورؤساء الشركات والمصانع وان يقتطع جزء من ارض الدولة ـ مصر ـ يخصص للأقباط كجمهورية لهم تخلى لهم من المسلمين، ومعلوم من يذكي هذه الاقوال ويزرعها لتظل حتى اليوم معلنة مشاعة،
وعلى ارض من ترتفع ومن أي ارض تذاع وتنمى وتبث، فكانت للإمام وقفات صلبة، جعلت رئيس الدولة يقف في برلمانها ويعلن بأفصح بيان: «أنا زعيم مسلم لدولة مسلمة، ولن اسمح لأحد بأن يتلاعب بمقدرات شعبي».. فهدأت العواصف وخمدت النيران، ولكن إلى اجل وحتى تم التخلص منه بملحمة مدروسة بدقة متناهية، جعلت موته بيد بعض جنوده الفخورين..!
وحينما أريد تمرير مشروع لتوحيد كتب المقررات الدينية، أي تكون حاوية لشيء عن الإسلام وشيء عن المسيحية بأقلام أهلها، ويدركها المسلمون والمسيحيون على السواء، أبدى الإمام اعتراضه على المشروع جملة وتفصيلاً، وهدد بالاستقالة، فذهب رئيس الوزراء ووزير التعليم للاعتذار واسترضائه ووعده بعدم حدوث شيء من هذا المشروع.. وكان هذا التوقف عن تنفيذ هذا المشروع أيضاً إلى حين، لأنه ظهر فيما بعد السادات ورحيل الإمام!
وحينما أريد وضع قانون جديد للأحوال الشخصية، وأشيع انه سيتضمن شروطاً وأهواء تتعارض مع ما هو مستقر في فقه الإسلام لإرضاء زيد أو عمرو من الناس، أعلن أنه لن يتم مثل هذا القانون وإلا سيلزم بيته غير عابئ بشيء، ولأنه محل ثقة المسلمين في العالم، كان لتهديده وقعه الخطير، فالتزم الجميع أقدارهم، وخفتت الأصوات أمام هدير صوته!
ومثل هذه المواقف أعادت للناس ثقتهم في قيادات الأزهر، وأنهم يستطيعون عمل الكثير لو أرادوا، فطوال عمر الأزهر وعلماؤه في وجه الطغيان والاستفزاز للأمة كالجبال الصم شموخاً وقوة..! ومن هنا كان حرص الإمام ألا يهون عوده، فيسمح بشيء يعلم لله فيه مقالاً، إلا ودفعه عن جبين الأمة مهما كان قدر المتجاوز، ومهما لمعت بارقة الحراب، وليس بأقل من أولي الأمجاد من علماء الأزهر القدماء، الذين عناهم شوقي رحمه الله بقوله:
واخشع ملياً واقض حق أئمة
طلعوا به زهراً، وماجوا أبحراً
كانوا اجل من الملوك مهابة
واعز سلطانا، وأفخم مظهراً
واذا كانت وقفاته لله ـ رحمه الله ـ فقد قضى في نفس الوقت حق الأجيال في ان يتعلموا عنه القيام بحق العلم والإمامة، وهي الأسوة الحسنة، وأعلن ان النبي صلى الله عليه وسلم ما نجح في دعوته الا بالقدوة ولهذا كان زاهداً عابداً متفانياً في خدمة الإسلام! ولن ينسى له المسلمون انه صاحب البشرى بعبور قوات مصر إلى سيناء والنصر على الأعداء وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وبشره بذلك، فأخبر بها السادات، وكان يعبران معا سراً فيصليان على ارض سيناء ويبكيان ويبتهلان إلى الله أن يحقق لهما النصر ولا يخذلهما ويخزيهما، فأنجز الله لهما ما وعد (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)..!
وكنت اشرف بلقائه إذا زار المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين خصوصاً في احتفال المركز بالمولد النبوي، فكانت روحه تعم المكان باللطف والوداعة والصوفية الرقيقة والكلمة الراقية، وكان مؤمناً اشد الإيمان بالتوسع في بناء المعاهد الأزهرية، رغم معارضة الكثيرين من داخل الأزهر وخارجه، فكان يرد عليهم الرد اللائق، لأن معارضيه انما يخدمون شاءوا أم لم يشاءوا أعداء الثقافة الدينية والتحصن بحماية الإسلام للأمة،
فكان يقول: إن الذين يدعون إلى عدم التوسع مخطئون، فأنا مع التوسع بلا حدود او قيود، وإذا قصرت الميزانية في تدبير الموارد فلدي بحمد الله الكثير من إعانات أهل البر والخير، وهم بحمد الله كثيرون، فلا تثبيط للهمم، بل دفع لها، وارد عليهم فأقول: ان عدد الذين يتعلمون في الأزهر كله في جمهورية مصر العربية بما فيها جامعة الأزهر خمسون ألفاً، وفي وزارة التربية والتعليم سبعة ملايين فأين التوسع؟! ولماذا التخوف؟!
