يعد فولتير من نوابغ زمانه، ومن العباقرة الأفذاذ، وأحد أبرز المفكرين المعدودين في القرن الثامن عشر عامة وفي فرنسا بخاصة، قام بدور كبير في تحرير العقلية الفرنسية من قيود الجهل، وظلمات الخرافة، وأوهام رجال الدين وأباطيلهم، ويعد أيضاً من المفكرين الذين اضطلعوا بجهد مشهود في عملية التنوير وبث التفكير العقلي في النفوس بأسلوبه السهل، ونثره المتأخر، وقصصه المتنوعة ومسرحياته وإشاعة روح التسامح الديني وحرية الفكر والبحث العلمي والفلسفي.

وسوف يجترئ بعض آراء فولتير وكلماته الموحية التي أثرت في المجتمع وأهمها هجومه على رجال الكنيسة ولما كانت الكنيسة في جوهرها كنيسة إقطاعية استبدادية، ولها نفوذ سياسي واجتماعي في المجتمع الأوروبي، فقد شن فولتير حملة قوية على رجال الكنيسة، ربما تكون أشد الحملات وأقواها في تاريخ فرنسا، فهو يمتلك الحجة القوية، والدليل الدامغ، ففاق في نقده، كل من ميكافللي وهوبز، فضلاً عن أن الواقع الفاسد لرجال الكنيسة يعضد من حملته عليهم،

وهو يفرق بين مبادئ المسيحية كما جاء بها المسيح، ومبادئها كما تدعو إليها الكنيسة، فهو يهاجم القساوسة الذين ينصبون أنفسهم حماة الدين وهو منهم بداء، إذ يشيعون الكثير من الأفكار الأسطورية، والخرافات المنمقة لكي يكسبوا الجماهير لصفوهم من أجل مصالحهم الشخصية. ويستهل نقده برفض قضية الخطيئة ويعدها إهانة للعقل، ويرفض مسألة صلب المسيح من أجل فداء البشرية لسبب المعصية الأولى،

وينكر قولهم ان مريم أم الإله، ثم يذهب إلى نقد مسلكهم في الحياة ويرى أن معيشتهم تخالف أبسط القواعد الأخلاقية التي جاء المسيح لإرسائها في الأرض، فمثلاً بشر المسيح الفقراء بملكوت السموات واستنكر وضع الأغنياء، وأبان أنهم لا يدخلون الملكوت حتى يدخل الجمل في سم الخياط، وحذرت من الذين يخزنون أموالهم، في حين أن رجال الكنيسة يعيشون في رغد من العيش ورفاهية يحسدون عليها لا سيما أساقفة البلاط، وعامة الشعب تعاين الحرمان والكفاف،

وعلى هذا المنوال استمر في نقده وفكرة أخرى تجلت في كلمات فولتير، وهو رفضه لكل أشكال العنصرية، ونظرية التعصب الجنسي، والإدعاءات بتفوق الجنس الأوروبي على غيره من الأجناس الآسيوية والإفريقية وتصويرها أنها أقل حضارة من الأوروبيين، ويوضح أن حضارات الشرق القديمة أفادت الحضارة الأوروبية ونحب أن ننوه أن فولتير وقف في مواجهة الحرب بشدة وعنف، وعدها أم الجرائم، وأس الفساد وبؤرة كل الشرور، على الرغم من أن القتل محرماً في كل الشرائع يقول: إن الإنسان يحتاج إلى عشرين عاماً لكي ينتقل من مرحلة الطفولة إلى الشباب، وآلاف السنوات ليكشف عن ذاته وهويته، ولكن يموت في دقيقة واحدة وهذا من متناقضات الحياة.

د. محمد الزيني

* أستاذ الفلسفة معهد العلوم الشرعية