كان الرصافي شاعر العراق في عصره، وله ديوان كبير طبع أكثر من مرة. وكان مؤلفاً، ومحققاً له تعليقات على كتب كثيرة، وكاتباً؛ اشتغل بالصحافة، وبالتدريس، ومارس العمل السياسي، واختير عضواً في مجلس المبعوثان في أيام الدولة العلية العثمانية، ونائباً في المجلس النيابي في العراق. وزار استانبول وعدداً من الأقطار العربية، واختير عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وكان نائب رئيس لجنة الترجمة والتعريب في بغداد.

قال صاحب الأعلام في ترجمته: كان جزل الألفاظ في أكثر شعره عالي الأسلوب حتى في مجونه، هَجّاء مراً، وَصّافاً مجيداً، ملأ الأسماع دوياً في بدء شهرته... نشأ وعاش ومات فقيراً... ومن أصدقائه الذين ذكرهم في ديوان شعره: محمد إسعاف النشاشيبي الأديب، الباحث الفلسطيني، كان زميلاً للرصافي في المجمع العلمي العربي بدمشق، وقد انفرد بأسلوب من البيان ووصف ب: أديب العربية (1885 ـ 1948).

أهدى الرصافي إحدى صوره إلى النشاشيبي القدسي، قال في الديوان: ومما كتبه تحت صورة فوتوغرافية أيضاً أهداها إلى الأديب الكبير إسعاف النشاشيبي المقدسي قوله:

صفا لك فيَّ يا إسعاف ود

صميم ما لصحته اعتلال

فخذ تمثال خل ذي وداد

يمثل صدقه لك ذا المثال

خيال حقيقة ولرب شيء

يدل على حقيقته الخيال

ولست مماذقا في الود خلي

إذا مذقت مودتها الرجال

ومثلك من تجاد له القوافي

ويحمد في فضائله المقال

(لست مماذقا، من «مذق»: خلط. أي وداده صافٍ صحيح)

وقد سمى الصورة بـ (التمثال) و(المثال) و(الخيال)، وكانت مفردات شائعة للدلالة على الصورة الشمسية الفوتوغرافية. ومن أصدقائه الشيخ المغربي، وقد أرسل له بصورته مع شعر أيضاً ، وجاء في مقدمة الشعر «ومما كتبه تحت صورة شمسية له أهداها إلى العالم النحرير والكاتب الشهير الشيخ عبدالقادر المغربي» قال:

إلى المغربي الحبر أهديت صورتي

تذكره مني صداقة صادق

وتؤذنه بالود وهي خيالة

ورب خيال مؤذن بالحقائق

وإن لعبد القادر الفضل كله

بما أوضحت أقلامه من دقائق

فتى العلم زانته العلوم بنورها

كما زانها منه بحسن الخلائق

وسمى الصورة هنا خيالة استعملها للواحدة.

وكان الشيخ المغربي أحد أعضاء المجمع اللغوي بدمشق (1868 ـ 1956) وهو من العلماء باللغة والأدب، وله مؤلفات كثيرة، وأصله من تونس فعرف بالمغربي. وكتب تحت صورة له أهدافها إلى صديقه عادل جبر المقدسي:

إليك عادل جبر رسم ذي مقة

من أصدقائك حَيّاد عن الفند

لو تدرك الشمس ما في القلب من شغف

لصورت لك وداً جل في خلدي

لكنها خلقت عن ذاك عاجزة

فصورت لك مني ظاهر الجسد

فاقلبه تذكرة في الدهر باقية

بقدر حُبّيك حتى آخر الأبد

فأنت أكرم من صادقته خلقاً

وأبعد الناس عن غل وعن حسد

فهو يرسل إلى صديقه صورة رجل محب، بعيد عن كفر النعمة ونكران الجميل وعن الكذب في صداقته. ولفرط مودته وصدق مشاعره تعجز الصورة الشمسية عن الوفاء بإظهار ذلك، والغل: العداوة والحقد الكامن. وفي أخبار الرصافي أنه عرف بشدة وفائه للذين أحبهم، واتصل بهم وعرفهم. وفي بعض أخباره، الموصولة ببعض ما في هذا الموضوع أنه حين كان في مدينة القدس ـ حماها الله تعالى ـ استعار كتاباً من صديقه إسعاف النشاشيبي، وقد سبق الكلام عليه، فلما رد الرصافي الكتاب كتب عليه هذين البيتين:

آل النشاشيبي إن الله أسعفكم

على التقدم للعليا بإسعاف

ذاك الذي أشرفت بالعلم همته

على سماء المعالي أي إشراف!

وفي هذا من الصلة الحميمة والعلاقة الاجتماعية مثل ما في كتابته إليه على صورته.

أ.د محمد رضوان الداية