إن هذه المقارنات التي نعقدها بين حقوق الأقليات المسلمة في ديار القوم المهدورة تماماً وليت الأمر يقف عند حد هدر الحقوق من غير الأذى والفساد الذي يمارس فيهم، إذن لهان هذا الأمر، وبين حقوق الأقليات غير المسلمة في ديار المسلمين وكيف يكون حفظ الحقوق وفقاً لما نص عليه شرع المرحمة والتراحم، من المشرع، الرحيم الودود، الحكيم الحليم الذي قال سبحانه وتعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم» وليس أقواكم عدة وعتاداً وثروات توظفونها في الحروب على الآخر لسحقه وإبادة خضرائه.

لو أننا سردنا تفاصيل محاكم التفتيش لأضفنا صوراً كئيبة على ما نشاهده في واقعنا المر المعاصر فيكفينا ما يجري فيما نعيشه اليوم (هو نحن ناقصين) على حد قول العامة. والغريب أنهم يصموننا بالتعصب والتزمت والإرهاب وكراهية الآخر وهي أدواء فيهم هم وكما قال المثل «رمتني بدائها وانسلت» كيف يكون هذا وصفنا ونحن نكره ذلك منهم. يقول الكونت هنري دي كاستري: «إن الدولة الإسلامية لما استقرت في الشرق لم تعارض المسيحية، ولم تضع أمام أهلها عائقاً،

وظلت روما حرة في مراسلاتها مع الأساقفة الخاضعين لحكم المسلمين» ويردف: «لقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإسلام وخرجت منه بحقيقة مشرقة، هي أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة وترفع عن الغلظة وعلى حسن مسايرة ورقّة مجاملة، ولم يؤثر هذا الإحساس عن غير المسلمين،

فإن الشفقة والحنان كانا (ولا يزالا) يعتبران لدى الأوروبيين عنواناً للضعف وهذه ملاحظة لا أرى وجهاً للطعن بها» والفضل ما شهدت به الأعداء. ولكننا نضيف إلى مقولة الكونت هنري في أن الشفقة والحنان يعتبران لدى الأوروبيين عنواناً للضعف هذه حقيقة لاجدال فيها إذا كان الأمر يتعلق بنا نحن المسلمين أو قل الشعوب المستضعفة في الأرض، أما عطفهم وشفقتهم وحنانهم على المقتنى من الحيوانات خنازير كانت أم قططاً أم كلاباً فلا يعد لديهم ضعفاً وإنما منتهى الحضارة الإنسانية والشواهد على ذلك كثيرة. إن الغربي يحنو ويشفق على قطته أو كلبه أكثر مما يحنو على والديه المسنين.

فإذا كان هذا حالهم مع اقرب الناس إليهم فما بالنا نتعجب من مواقفهم معنا نحن الذين نعتبر لديهم العدو الأول بعد سقوط أو تفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل القلق الأكبر لهم. من يدعون أنهم على قدر كبير من التحضر وأنهم أصحاب الحرية الكاملة دون تعصب والديمقراطية الحقة نقول لهم كل ذلك هراء وادعاء لا أساس له من الصحة يكذبه الواقع المعاصر ناهيك عما مضى من التجاوزات والافتراءات.

وحده هو الإسلام دين التسامح والتعايش والتفاهم بين الشعوب وليس هذا مجرد ادعاء كما يدعون هم، بل أمر مثبت في القرآن والسنة. قال تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون» سورة الممتحنة ـ الآيتان 8 - 9.

وهذا هو قانون الولاء والبراء في الإسلام، إننا منهيون ممن انزل علينا الكتاب دستوراً لحياتنا القويمة القائمة على العدل والإحسان وهو للناس جميعاً، فإذا كفربه بعضهم فهذا شأنهم وليس لهم أن يضايقوا المؤمنين به ويقاتلوهم في الدين ويخرجوهم من ديارهم، بل ويكون التظاهر على إخراجهم السمة المؤكدة لذلك.

أليس ما يجري على الأرض اليوم هو هذا الذي أشارت إليه الآيتان الكريمتان من سورة الممتحنة وغيرهما من آيات الذكر الحكيم المشيرة إلى هذا المعنى في القرآن الكريم، انه بعينه، قتال في الدين وإخراج من الديار، بل واغتصاب لأرض إسلامية وقيام دولة عبرية بغير وجه حق وتطرد وتشرد أصحاب الحق، تقاتلهم وتهلك الحرث والنسل، فإذا دافعوا عن حقهم اعتبرتهم إرهابيين وساندهم في ذلك ما يسمى بالمجتمع الدولي.

إن قتالنا للآخر منذ فجر الإسلام لم يكن عدواناً وتغولاً، كلا، وإنما كان الإذن بالقتال لنا من الله سبحانه وتعالى بعد إخراج تلك الكوكبة الأولى من المسلمين من دراهم (مكة) وسلب أموالهم ومساكنهم بعد اشتداد ظلم المشركين وأذاهم، قال تعالى:(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير، الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) سورة الحج ـ الآيتان 39 - 04

ونزلت الآيات الكريمة تأمر المسلمين بقتال الذين يقاتلونهم للدفاع عن أنفسهم (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، سورة البقرة الآية 160. والآية الكريمة تشير إلى عدم العدوان فلا استهداف إلا للذين يقاتلوننا دفاعاً عن العقيدة، وهذا ما يحدث في حربنا مع إسرائيل، إنها حرب وجود لا حرب حدود، نكون أو لا نكون ومن ظن أنهم يسمحون بقيام دولة إلى جانب دولتهم المغتصبة فهذا الذي يجري وراء سراب يحسبه ماء.

وننهي حديثنا عن حقوق الآخرين في ديار المسلمين والذي اختصرناه في ثلاث حلقات بملاحظة لإلياس خوري في كتابه «المسيحيون العرب» يقول: «هذه الملاحظة هي في الحقيقة سؤال: فهل الخطر في المجتمع العربي هو على الأقليات أم هو على الأكثرية. نحن نقبل بافتراض مسبق ومفروض علينا بحكم الدعاية والإرهاب وهو أن الخطر قائم على الأقليات بينما السؤال الحقيقي يبدأ من الملاحظة بأنه منذ بدايات الضغط الاستعماري على المنطقة العربية انصب الهجوم على الأكثرية وعلى الأرض، تفتيت الأرض إلى دويلات وتحطيم الإسلام بكتابات عنصرية وبمناهج تعليم مفروضة ونضيف لخوري أن آخر ما تفتقت عنه أذهانهم هو الشرق الأوسط الجديد بلا مقاومات إسلامية.